فلسطينيات قتيلات في جنوب الضفة

07 يناير 2020
الصورة
في رام الله: "لا للعنف" (عباس مومني/ فرانس برس)
+ الخط -

يلحظ العاملون في الجمعيات النسوية والحقوقية في فلسطين المحتلة، من خلال عملهم، أنّ منطقة جنوب الضفة الغربية، ترتفع فيها حالات قتل النساء، فقد بلغت سبع حالات، عام 2019

سبع حالات قتل لنساء شهدتها المنطقة الجنوبية من الضفة الغربية، في فلسطين المحتلة، عام 2019، من أصل 21 حالة هي مجموع حالات قتل النساء في كامل مناطق الضفة، بحسب إحصائية الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان. ويؤكد جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني أنّه سجل في المنطقة الجنوبية، أي في محافظتي الخليل وبيت لحم، عام 2018، 120 حالة قتل ومحاولة قتل للجنسين.

وبالرغم من غياب الإحصائيات الدقيقة أو الرسمية في بعض السنوات حول عدد المغدورات من جنوب الضفة الغربية، يرى اختصاصيون أنّ جنوب الضفة يحتل المراتب العليا في حالات القتل في معظم السنوات، ومنها ما أثار الرأي العام المحلي والعالمي؛ كقصة إسراء غريب التي قتلت في العام 2019، والشابة روان أبو هواش نهاية العام نفسه، والمهندسة نيفين العواودة عام 2017، والشابة آية برادعية عام 2009، ما يدفع للتساؤل عن الأسباب.




تقول الناشطة النسوية ومديرة جمعية "نهضة بنت الريف" في جنوب الخليل فاطمة أبو كتة لـ"العربي الجديد": "خلفيات قتل النساء تغيّرت في العقود الأخيرة، فدخولها إلى معترك الحياة أكثر وخوضها مجالات العمل، وتفتّح مداركها حول حقوقها، ساهم في تعريضها للقتل؛ مثل مطالبتها بحقها في الميراث من عائلتها، وغير ذلك من مشاكل الحياة اليومية، بعدما كانت أغلب الخلفيات على ما يُسمى بالشرف سابقاً، وهذا ينطبق على كلّ الضفة الغربية وليس جنوبها فقط". كذلك، فإنّ معاناة القاتل من مرض نفسي يدفعه لارتكاب جريمته بحق إحدى نساء العائلة، كحالة المغدورة روان أبو هواش، بحسب أبو كتة.

ويعتبر التمسك بالعادات والتقاليد البالية، والتفسير الخاطئ للدين، وضعف القوانين وغياب الأحكام الرادعة، بالإضافة إلى عدم وجود قدرة تنفيذية للسلطة الفلسطينية على أرض الواقع، بحكم تصنيفات أوسلو "أ، ب، ج" من العوامل المؤدية إلى ارتفاع وتيرة قتل النساء في جنوب الضفة الغربية، بحسب مديرة جمعية تنمية وإعلام المرأة "تام" في بيت لحم، سهير فراج. تقول فراج لـ"العربي الجديد": "يحصل القتل أحياناً بضغطٍ اجتماعيٍ رهيب، يمارسه المجتمع على عائلة القتيلة، ما يجعلها تعتقد أنّ القتل هو الحل. فحين يصم المجتمع بالعار، سلوكاً معيناً للأنثى، ويعتبرها مذنبة فإنّه يدفع عائلتها للتخلص منها بالقتل، لتتخلص من ذلك العار الاجتماعي، ويأتي ذلك بتبرير من العائلة على أنّه غسل لشرفها، للأسف". تشير إلى أنّ جرائم عدة راحت ضحيتها نساء، لا يُلقى فيها القبض على القاتل، بل يتمكن الجاني من الهرب إلى داخل المناطق التي يُسيطر عليها الاحتلال، وتغيب فيها قوانين السلطة.

قوانين السلطة على أراضيها بحسب فراج، غير كافية، وبعضها غير مُجدٍ، وغياب قوانين أخرى يُساهم في ضعف المحاسبة القانونية في قضايا قتل النساء، فيما تشدد على أنّ "قانون حماية الأسرة من العنف غير مصادق عليه حتى الآن، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون العقوبات يعتمدان على قانون قديم (أردني) يعود للعام 1960. وبالرغم من تجميد المواد 340 و98 و99 التي تشمل العذر المخفف والعذر المحلّ وإسقاط الحق الشخصي، فإنّ السلطة التقديرية للقاضي، تبرئ أو تخفف العقوبة عن القاتل، فقد تكون لدى القاضي خلفيات اجتماعية وفكرية تؤيد القتل. كذلك، هناك ثغرات في قانون العقوبات تمكّن القاتل من الإفلات من العقوبة الرادعة".

من جهته، يرى مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في جنوب الضفة الغربية، فريد الأطرش، أنّه بالإضافة إلى ضعف الردع بالعقاب، وضعف سلطة القانون، فإنّ انتعاش وسطوة الفكر العشائري في الجنوب، وهيمنة الثقافة الأبوية من الأسباب المهمة، لانتهاك حقوق المرأة، حتى إنهاء حياتها في حالات عدة.

تكشف بعض القضايا التي أثارت غضب الرأي العام الفلسطيني، أنّها لا تنطبق عليها خلفيات ما يُسمى "جرائم الشرف" فقضية إسراء غريب من مدينة بيت ساحور، شمالي بيت لحم، أخذت منحى مختلفاً في وسائل التواصل الاجتماعي، وبفعل ضغط الشارع تعقد للقضية محاكمات متتالية. أما نيفين العواودة، وهي من مدينة دورا، جنوبي الخليل، فقسم كبير من الشارع الفلسطيني غير مقتنع بما جاء على لسان الأجهزة الأمنية بخصوص مقتلها على يد سائق أجرة، خارج المبنى الذي تسكن فيه، ثم إرجاعها إلى شقتها في الطابق الرابع، وفتحه الباب بملقط لإزالة الشعر. وكانت المهندسة الشابة قد نشرت على حسابها في موقع "فيسبوك" أنّها تمكنت من كشف شبكة فساد يديرها متنفذون. أما آية برادعية فقد عُرفت قصتها بقصة البئر التي أشيع أنها ألقيت حيّة فيها، وبعد أربع سنوات من اعتقال المتهمين بقتلها أًفرج عنهم، وأُغلق الملف بأمر من النائب العام. تعلق فراج: "أعيد فتح ملف مقتل آية بعد سنوات، وكلما تقدم التحقيق أغلق الملف بعدها".




تعمل بعض الهيئات الحقوقية على الضغط باتجاه استصدار قوانين حماية للمرأة بل وعقوبات رادعة، كما تحاول تعزيز حضورها الميداني في فعاليات الشارع، من خلال الاحتجاجات، وحتى الحضور الرسمي لممثليها في محاكمة المتهمين في قتل النساء، إذ يقول فريد الأطرش: "نحاول من خلال عملنا في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان إحداث تغيير في الثقافة الذكورية المسيطرة على جنوب الضفة الغربية تحديداً، والتي فيها ظلم كبير للنساء". أما سهير فراج فتقول: "لم يعد لديّ أمل بعد حراك جنوب الضفة الغربية ضد اتفاقية سيداو؛ وللأسف إنّ آخر همّ السياسيين في فلسطين قضايا النساء". بدورها، تعتبر الناشطة فاطمة أبو كتة، أنّ ردة فعل المجتمع الفلسطيني على بعض الجرائم الأخيرة بحق النساء، قد تشكل بدايةً للتغيير.

المساهمون