فلاحات ينقلن خيرات ريف مصر إلى المدينة

فلاحات ينقلن خيرات ريف مصر إلى المدينة

06 مايو 2018
الصورة
خضروات بلدية (العربي الجديد)
+ الخط -
كثيرات هنّ الفلاحات المصريات اللواتي يجمعنَ خيرات أرضهنّ في المناطق الريفية ويتوجّهن إلى المدن لبيعها. هنّ يكسبنَ بذلك عيشهنّ وفي الوقت نفسه يقدّمن لزبائنهنّ منتجات أكثر من جيّدة

أم إبراهيم واحدة من هؤلاء المصريات اللواتي يحملنَ "الطشت" على رؤوسهنّ ويفدنَ إلى المدن من مختلف قرى محافظات مصر، لبيع منتجات الريف وخيرات الأرض مثلما يسمّونها في المدن، من غير وسيط. والمرأة التي تتخطّى منتصف خمسينياتها اعتادت ذلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتقول: "أجمع من الفلاحات في القرية السمن البلدي والقشدة والجبن القريش وبعض طيور الحمام والإوز والبط والدجاج البلدي، وأقصد القاهرة لبيعها في أسواقها".




تخبر أم إبراهيم "العربي الجديد": "ربّيت أولادي الستّة من هذه المهنة. لديّ ابنان، أحدهما أنهى تعليمه في إحدى الجامعات، والثاني يحمل مؤهلاً متوسطاً. أمّا بناتي الأربع، فقد تزوّجت اثنتان منهنّ من دون أن تحصلا على شهادة علمية، بينما حصلت الباقيتان على الشهادة المتوسطة". تضيف: "في البداية، كنت أسعى إلى مساعدة زوجي على تحمّل أعباء الحياة، إذ إنّنا لم نكن نملك في قريتنا إلا مساحة صغيرة من الأرض. فقررت، كغيري من الفلاحات، أن أمتهن ذلك، ورحت أشتري منتجات من مختلف الأنواع من القرية وأقصد المدينة مرة أو مرتين في الأسبوع. هناك، أتّخذ مكاناً لي في أحد الأسواق أو على ناصية أحد الشوارع في حيّ ما، وأعرض ما أحمله من منتجات على قاصدي المكان".

وتشير أم إبراهيم إلى أنّ "المهمة لم تكن سهلة قبل عشرين عاماً، لا سيّما أنّ المواصلات لم تكن متوفّرة مثلما هي اليوم. فكنت أركب القطار وأحمل بضاعتي مع واحد أو اثنين من أبنائي، وأتوجّه إلى الحيّ المقصود. والأحياء الشعبية لطالما كانت أفضل من الأحياء الراقية لبيع خيرات الريف، منتجات الفلاحة المصرية. وكنت أفضّل حيّ الشرابية المزدحم، لا سيّما أنّ سكانه بمعظمهم من الريف ويفضّلون منتجاته". تضيف: "أمّا اليوم، فأنا أتشارك مع ثلاث بائعات أو أربع مركبة نقل ونتقاسم الأجرة بيننا، في حين تذهب السيارة بكل واحدة منّا إلى الحيّ الذي تبيع فيه بضاعتها".

من جهتها، تخبر فاطمة "العربي الجديد": "آتي من محافظة الغربية وأبيع منتجاتي عند إحدى النواصي في حيّ الزمالك. وقد تعرّفت إلى البهوات الكبار. لكنّني لا أقصد الحيّ سوى يوم واحد في الأسبوع، وهو يوم الجمعة، لأنّ البلدية تطاردني في أيام الأسبوع الأخرى بحجة أنّني أبيع البضائع في مكان غير مرخّص". وقد اختارت فاطمة ناصية إلى جانب أحد المساجد الكبرى في الزمالك، وصارت معروفة من قبل الجميع. وتقول: "أبيع كل منتجات الريف بحسب الطلب. كل من يحتاج إلى خيرات الريف يطلبها منّي أو يحجز ليوم الجمعة المقبل، وأحضر له كل طلباته من بط وعسل أبيض وبيض بلدي. وكلها منتجات لا تتوفّر في الماركات الكبرى أو في السوبرماركت ويهواها السكان ذوو الأصول الريفية. هم سبق أن اعتادوا تلك المنتجات التي لا تدخل فيها أيّ مواد حافظة أو مصنّعة". وتوضح فاطمة أنّها "تعرّفت إلى سيّدات كبيرات الشأن ورجال مهمّين في البلد، ينزلون قبل صلاة الجمعة أو عقبها ليشتروا أغراضهم من منتجات الريف التي لا يُعلى عليها، خصوصاً العسل الأبيض والزبدة البلدي والفطير المشلتت الذي يطلبه كثيرون من حين إلى آخر".



إلى ذلك، في مدينة السادس من أكتوبر، لا يمكن تفويت أم هاجر وعدد من نساء الفيوم اللواتي يفترشنَ الأرض أمام المساجد صبيحة يوم الجمعة، وقد اعتاد الزبائن من المصلين وربات البيوت شراء لوازمهم من منتجات الريف منهنّ. تقول أم هاجر لـ"العربي الجديد" إنّها "المهنة الوحيدة التي لا يستطيع الرجال مشاركة المرأة فيها. فالفلاحات لهنّ قبول وطريقة تعامل تختلف عن الرجال في هذه المهنة، خصوصاً أنّ معظم التعامل يكون مع ربّات البيوت أو الرجال الذين يملكون خبرة في توفير المواد الغذائية التي تأتي من الريف". تضيف: "في البداية وجدت صعوبة في بيع منتجاتي، وأحياناً كثيرة كنت أعود بالطيور والمنتجات إلى البيت. لكن مع مرور الأيام، اكتسبت مزيداً من الزبائن وصرت أتلقّى اتصالات منهم عبر الهاتف الجوال، فيحجزون ما يحتاجون إليه، لا سيّما عندما يقيمون عزومات".

المهنة نفسها تعيل أم السعد، وهي فلاحة من المنوفية تقصد المدينة مرتَين في الأسبوع لتبيع منتجات الريف. تقول لـ"العربي الجديد": "أردت طريقة تحسّن دخلي، فصرت آتي إلى هنا مرتَين، وبمجرّد الانتهاء من بيع بضاعتي، أذهب إلى ابنتي المقيمة في حيّ الزاوية الحمراء (شمالي القاهرة) لأجلب منها ما جمعته لي من بضائع لتجهيز الفتيات". وأمّ السعد كانت قد اتفقت مع عدد من الأمهات في الريف على إحضار الملابس وحاجيات أخرى لهنّ في مقابل ربح معيّن.




تجدر الإشارة إلى أنّ بعض سكان المدن الجديدة، الذين ما زالوا على اتصال بجذورهم الريفية، يلجأون اليوم إلى تسويق منتجات الريف عبر الإنترنت، فينشئون مواقع لهم أو يشاركون في مجموعات اجتماعية ونسائية لتسويق تلك المنتجات. ويقول هادي حسين من مدينة الشيخ زايد لـ"العربي الجديد" إنّه "من خلال التواصل مع أقاربي في الفيوم، أسوّق لمنتجات الريف. والإقبال يكبر بعد التواصل مع العملاء لفترة معينة وتأكدهم من أنّهم يحصلون على منتجات جيّدة وغير مغشوشة".

دلالات

المساهمون