فكر النهضة والصراع حول ابن تيمية

14 يوليو 2020
الصورة

كانت مادة المقال السابق للكاتب "ابن تيمية... المنظار المغيب" في "العربي الجديد" (7/7/2020) أرضية تأسيس مهم لعزل عمليات التجريف التي تُمارس بكثافةٍ في حرب الثورات المضادة، أو التسييس العاطفي الحاشد لقضايا الفكر. كان معطى حصيلة العرض أن الوطن العربي، وامتداداته في الشرق، بعد استخدام الفكرة الوهابية السعودية، في أوج الغطاء الأميركي، برز الاستثمار في الإمام ابن تيمية، رحمه الله، في اتجاهين: أن ابن تيمية قُرن بالوهابية السعودية التي تمثل وحدها المعتقد الصحيح، والفقه الدقيق، والولاء الحقيقي للإسلام، ومن هو خارج دائرتها فغالباً ما يهمش أو يصنف بالضلال. خدمة تراث ابن تيمية الذي لم يتحصّل لغيره، وهو ما أنتج مادة غزيرة ومفيدة في التحقيق، حين تسلم من التوظيف، فقدّمت نموذجاً مهماً لشخصيات علماء المسلمين، بمن فيهم من تسجل عليهم قضايا جدل صعبة، في الفكر المقاصدي والحياة المدنية الإنسانية.

لو خُصص عشر معشار ما خدم به الإمام ابن تيمية، ممن هم أبرز منه في المقاصد والرؤى الفكرية الإنسانية، فما هو المخزون الذي يمكن أن تحققه المعرفة الإسلامية للبشرية، أمام خطايا الحداثة المادية المدمرة؟

ولكن نموذجا واحدا من علماء المسلمين حظيَ بهذه الدراسات النوعية، وأفاد بأنه شخصية ذات حيوية مبهرة، ورؤى فكرية وعلمية، وعبارات خالدة، خاصة في قضايا العدالة، كقوله "إن الله لينصر الأمة الكافرة لعدلها، ويخذل الأمة المسلمة لظلمها"، وغير ذلك من عبارات تاريخية لمدونات العالم الفكرية، تشير إلى حجم هذه الكنوز التي يحويها التراث، ولكنه تراثٌ لا يجوز أن يؤخذ بالمطلق، ولا أن يُزكّى رجالُه بالعصمة.
كما أن الرهبة من نقد الإمام ابن تيمية، بعدما صنع العهد السعودي قداسة له، تسبب في أن تُزكّى بعض أخطائه وتنقل من النقد إلى الاعتماد كقواعد دينية مُلزمة للمسلمين، وليس ذلك وحسب، بل اعتبرت هذه الرؤى، أحياناً، منظومة اختبار للتعميد العقائدي، فإن سقط المُختَبر ولم يردد في استدلالاته الاستشهاد بالإمام ابن تيمية وابن القيم، أُسقط من مراتب العلم المؤتمن.

جرى ذلك كله افتئاتاً على الراحل ابن تيمية، والذي لو أدرك عصوراً مختلفة، ووقف على قمع العلم باسمه، لرفض أن تُسن منظومات (شرعية) سياسية لتعظيمه. وتجب الإشارة، هنا، إلى أن أزمة التقديس لا تقف عند أتباع ابن تيمية، وإنما هي متكرّرة، وتُفهم في سياق التعصب العاطفي للتراث، وهو تعصبٌ يوجد في المنظومات المعرفية الغربية، ويَمنع مسّ الفكر العلمانوي الحديث، فيقف الباحث العربي المقلّد أبكما، من دون دلالات نظر ونقد ومراجعة.

الرهبة من نقد الإمام ابن تيمية، بعدما صنع العهد السعودي قداسة له، تسبب في أن تُزكّى بعض أخطائه وتنقل من النقد إلى الاعتماد كقواعد دينية مُلزمة للمسلمين

إذن، هي أزمة عامة، لكنها في حالة ابن تيمية تُمثّل إرثاً ضخماً، أُخضعت لها جغرافيا واسعة من العالم الإسلامي والمهجر، وبالتالي مقتضيات النظر الفكري، والمراجعة الأخلاقية للوصول إلى الحقيقة، لا يُمكن أن تولد تحت ذلك الضغط النفسي الهائل الذي دعم بأموال وسياسات سعودية. ولم تقف الكارثة الكبرى عند هذا الحد، وإنما في دلالات الموقف، من تصنيم رؤية عقائدية اجتهادية على المشرق الإسلامي، والتي قيّدته، بل ساهمت في انحطاطه. وتاليا شرح هذه الكارثة بوضوح:
الناتج العام لتقديس الإمام ابن تيمية، بين قمع مخالفيه والتشكيك في من خارج حدود مدرسته، بل وحدود المؤسسة السياسية السعودية، التي استثمرت باسمه، أن هذه الرسالة ورحلة العلماء العظام، في تاريخ الإسلام، هم أرتالٌ من الضالين والزنادقة، وأن جهودهم هرطقة، تروّج إنسانية الإسلام أو عقلانيته، أو مساحته في الفنون والحياة. وأن العهد التاريخي الذي بموجبه وصلت الفلسفة من التاريخ القديم الى العالم الجديد بعد البعثة، ومثّل فيها المسلمون نقلة حضارية، وظلت مدارس أهل السنة تراوح في تداخلها، ومعياريتها، هو إرث ضلال وردّة. ولك أن تتصوّر أن تُقدّم رحلة العالم الإسلامي تاريخا من الضلال، وأن زوايا الإبداع، وفقه العلوم والمعرفة وحركة الفنون والإنسان، التي تثبت عظمة هذه الرسالة وتميّزها، هي من ذلك الإرث المحارب، على الرغم من أنه يفيض في طبقات المذاهب الأربعة وغيرها، فكيف لأمةٍ تعمّم هذه المعادلة على رسالتها يكون لها مقعد حضارة بين الأمم، ووسائط رشد للعهود الحديثة، فتصنع الفارق المعرفي لإنقاذ العالم.
لقد استُخدم التعصب لابن تيمية، وهو قمعٌ واجههُ هو شخصياً، في تعصّب خصومه، لكنه اليوم، ونقصد بعد استكمال المشروع السعودي السياسي لتوظيف تراث الإمام، كان قوة قهر للفكر المقاصدي الاجتهادي، في البيئة التي يُبسط فيها النفوذ السعودي، أو منتجاته من الفكر، عبر الشباب المسلم في العالم، الذين أُقنعوا بضلال أئمة المسلمين، وانحراف مشاركتهم الحضارية.

استُخدم التعصب لابن تيمية، وهو قمعٌ واجههُ هو شخصياً، في تعصّب خصومه، لكنه اليوم، ونقصد بعد استكمال المشروع السعودي السياسي لتوظيف تراث الإمام، كان قوة قهر للفكر المقاصدي الاجتهادي

ساهم ذلك في إعادة الصراع مع مدارس إسلامية، خارج أهل السُنّة، تميز بعضها بالوعي والدلالة العقلية، أخطأت وأصابت، ولكنها كانت تساهم في الإثراء المعرفي، وكانت حركة الاحترام لهم والشراكة قائمة، في الجغرافيا السُنية.
وباستثناء حالات التوظيف السياسي، كان هناك اندماج اجتماعي وحوار علمي تشاركي، أبدع في احتضانه حاضر العالم الإسلامي ذلك الزمن. نعم مؤكّد أن هناك حركات تطرّف وغلو، وباطنية توحش، عانى منها المجتمع، كما أن حركة التعصب ضد العلماء المخالفين للسائد، مورس ضد أعلام كبار من البيئة التراثية، قبل أن تولد السلفية الوهابية بمئات السنين.
يقودنا هذا إلى وضع المعيار الذي نحتاجه، أن شخصيات العلماء يَنظُر إليهم فكر النهضة نماذج ذات قدرة إبداع، فجّرتها المرجعية المعرفية للإسلام، فجعلتهم وكأنهم عشرات الآلاف من المؤسسات الأكاديمية، تقدّم مساهمات متعدّدة في العلوم وفنون الحياة، عبر إيمانها المعرفي، ويثبت التاريخ حيويتهم، وانفتاحهم، مقابل العنصرية التمييزية لرحلة الغرب المعرفية.
ولك أن تتصور، لو خُصص عشر معشار ما خدم به الإمام ابن تيمية، ممن هم أبرز منه في المقاصد والرؤى الفكرية الإنسانية، فما هو المخزون الذي من الممكن أن تحققه المعرفة الإسلامية للبشرية، أمام خطايا الحداثة المادية المدمّرة؟ وهكذا يُصحّح الموقف من تقييم مساهمات العلماء، ومن ظروفهم الشخصية وصراعاتهم، لتفرز حركة العلوم والمعرفة، التي اعتنى بها المنصفون، من باحثي الغرب، فيما سقط المسلمون في اجترار الصراع والانحطاط.