فكرة المستشار

31 يوليو 2020
الصورة
(جزء من لوحة "جمجمة وكتاب" لـ بابلو بيكاسو)

في روايته "حفلة التيس"، يخلق ماريو فارغاس يوسا شخصية فريدة في الأدب، هي شخصية مانويل ألفونسو، الذي كان يعمل مستشاراً للعالم السرّي لدى الطاغية تروخييو، وقد بُنيت الرواية بأكملها على "استشارة" قدّمها ذات يوم لرئيس البرلمان هناك كي يساعده في التخلّص من المأزق الذي وُضع فيه من قبل الزعيم. إذ أقيل فجأة، وصودرت أمواله، وحُرم من جميع الامتيازات الممنوحة له، دون أن يظهر أي سبب يستدعي ذلك. فما الحل؟ إنه لدى مستشار الحياة السرّية الذي لجأ إليه رئيس البرلمان طلباً للمساعدة. 

كان اقتراح المستشار هو أن يقدّم رئيس البرلمان ابنته للزعيم كي ينام معها (وهي في الخامسة عشرة من عمرها)، ولأن عليه أن يترجم ذلك إلى المثال، فإنه يقول: "أتعرف يا مخيخ؟ لو أنها كانت ابنتي لما ترددت لحظة واحدة.. لأنه ليس هناك ما يسعدني أكثر من جعل الزعيم يمتع ابنتي ويستمتع بها هو"، أما خاتمة كلامه فسوف تكون هكذا: "أشعر بالفخر لأنني مثلما يقول عنّي بعض الأفاعي: قواد الزعيم". 

الغامض في موقف الشخصية هو الكلام عن الطاغية، فأن يقدّم له ما يشاء يمكن فهمه من زاوية المصلحة والطاعة والرياء، أما أن يقول بعد هذا العرض الذي سوف يقبل به رئيس البرلمان، ويرسل ابنته بالفعل إلى الدكتاتور، إنه أحد تلك الاستثناءات في التاريخ؟ وأن يشبهه بالإسكندر ونابليون وسيمون بوليفار؟ فإن الروائي يدفع بالشخصية إلى أن تكون نموذجاً فريداً معقداً يحتار القارئ في ما إذا كان صادقاً في ذلك أم لا.

المسألة بالنسبة إليه ليست قهر الناس بل إيجاد وسائل لإرضاء الطاغية

لا مثيل لهذه الشخصية في الأدب، ومن الصعب اعتباره نموذجاً للتابع، أو كلب الأمير، والمسألة بالنسبة إليه لا ترتبط بقهر الناس، أو إذلالهم، بل بالبحث عن وسائل إرضاء الطاغية (وهو يذلهم بالطبع لكن الغاية هنا تبرّر الوسيلة)، وعلى الرغم من استجابة الآخر، رئيس البرلمان، لكلامه، فإن الروائي يمنح الكلام له، ويعمل على تكثيف اللغة وطريقة التفكير للوصول به إلى تجاوز كل القيم والأخلاق والمحرمات لتحقيق غاية لا تخصه هو، بل تخصّ شخصاً آخر هو الزعيم.

لا يشبه ألفونسو هنا الأتباع الذين ينفّذون أوامر الزعيم، بل يتجاوزهم إلى مجال آخر هو "ابتكار الأفكار"، فالأتباع أو الشبيحة أو الموالون مجرد منفذين لا يمتلكون الفكرة ولا القرار في أي أمر من أمور الحكم والدولة، ولهذا فإن أعدادهم يجب أن تكون كبيرة، كي تتشكّل منهم جيوش الحماية أو الدفاع عن أي سلطة أو حكم، وإذا ما تأملت صوراً لهم في الصحافة، أو في الفضائيات، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، فإنك لن تجد غير الملامح التي تطلب إرسال الأوامر. بينما ينفرد المستشار بوجوده وحيداً، فلا أحد يشاركه الموقع، وليس لديه من يأمره بتنفيذ هذا الإجراء أو ذاك، بل هو الذي يبتكر ويفكر وينفرد في التخطيط لما يسعد الطاغية، إلى حد أن يجعل الزعيم نفسه منفذاً لها. 

هل هو شخصية وحيدة في رواية أم أن له أقراناً في كل بلاط؟