فقدان الأسرار وعقدة قتل الأب

30 يوليو 2020

يقُول شوبنهاور: أحياناً أتحدث إلى الرجال والنساء كما تتحدّث الفتاةُ الصغيرة إلى دميتها، هي تعرفُ طبعاً أنّ الدّمية لن تفهمها، ولكنّها تخلق لنفسها متعة التواصل عبر خداع ذاتيّ واعٍ ومبهج، فهل حديثنا إلى الدّمى التي تفهمنا عن الأسرار، نوع من الخداع الذي نريدُ به أن تكون لنا ألسن، أم هو خطأنا في تقدير خدعة التوقف عن قول الأشياء التي لا تقبل القسمة على اثنين؟

في عالم تحكمه التقّلبات، اختر لنفسك الكلمات التي لا تُريد قولها، وتعوّد أن تكتفي بنفسك، إنّك  في زمن المزاجية والاستغناء بسهولة  كما قال تشارلز بوكوفسكي، فالإنسان يُعرَّف بخياناته أيضاً، بتراجُعه عن العُهود التي قطعها، تلك التي يستلذّ لاحقاً فيها بإيذاء الآخرين، يقتربُ لا ليبقى بل ليبتعد، يقدّم لا ليقدّم بل ليأخذ، فيُقدم على التخلي عن الأشخاص أو التخلي عن أسرارهم أو التخلي عن وعوده وغيرها من الروابط الثنائيّة أو الجماعيّة، وفي هذا التخلي الذي تغذى من الاستبطان يُمارس الخبث النّزيه أو ما سمّاه اسبينوزا "اللّطف المؤذي"، فيبدو بالضبط من حيث المبدأ بمثابة صفة سويّة من صفات الإنسان، وبالتالي بمثابة شيء يستطيع الضمير أن يستجيب له بنعم جريئة. هذا ما فسّره نيتشه، وتساءل عنه قائلاً: كيف يُمكن أن يكُون إلحاق الأذى رأباً لصدع أو تعويضاً عن خسارة؟

هل نريد أن نُحرّر السرّ أم أن نقتل صاحبه؟ وهل معرفتنا بوجُود ابنة لدرويش  عمل أدبيّ بما أّنه صدر عن أديب، أم أنّه شيء من التفظيع الذي يُعتبر المتعة المفضّلة لدى البشر؟

هنالك أشخاص إذا أحببتهم زادوا في كرههم لك، إنّهم يشعرون بأبوّتك وهذا الشّعور يوقظ في داخلهم ذلك التوّرم تحت أقدام الاستبطان، فيُقدمون على قتلك  مدفوعين بالشّعور  بالرّفض والرغبة في الحلول محلك

يحبّذ البعض  الخلاص من طريق الأذيّة بقتل آبائهم الرّمزيين، نيتشه مثلاً اعتبر سقراط مثل الوحش الخالق للعلم للمنطق وفي ذات الوقت اعتبره قاتل  الحكمة التراجيدية، وفرويد بدوره قتل نيتشه، فبعد أن ذكره بصراحة في أوّل كتبه واعترف بأهميّته بالنسبة إلى التّحليل النّفسي، أشاح بوجهه عن الفيلسوف ابتداءً من عام 1914 إلى حدّ نسيانه تماماً.

ربّما لم يُرد فرويد قتل الأب نيتشه فحسب، بل كان يريد قتل أب أكبر، هو الفلسفة نفسها، الأمر لا يختلف في علاقة درويش بسليم بركات أو علاقة الأدباء عامّة، فبعد أن مضى على موت صاحب" ليس للكردي إلا الريح" سنون طويلة، أخذت معها هذه السّنون حتّى الشّعور بالأسف تجاه خيبة الأصدقاء الذين وضعوا شيئاً منهم في داخلنا، لا لأنهم يُريدون منّا أن نقوله عنهم، بل أن يربطونا بهم كأقرباء، لا غرباء.

فالصداقة الحقيقيّة هي تلك التي وصلنا فيها إلى تبادل الأسرار، صداقة متانتها السّر لا خلوّه منها، وحينما نخسر أسرارنا مع أصدقائنا مع غرباء، فإنّنا نفقدُ تلك الصّداقة للأبد حتّى وإن كان ذلك الصّديق لا يؤذيه أن تأخذ منه أسراره لتُعيده الآن رغبتنا في إنهاء ذلك الرابط.

وبمجرد أن نفتح صناديقهم السّوداء للغرباء، نكون فعلاً قد تنازلنا عنهم، والعيبُ يكمنُ في  الإنسان الذي لا يعيشُ مع أسراره وحده ويفضّل أن يجد من يقاسمهُ ما لا يستطيع قوله، حتّى بينه وبينه، وذلك ما يعزّي فيه الارتباط.

إذ لا يرتبط النّاس فيما بينهم بالخواتيم والمصير المشترك فحسب، بل يرتبطون بالأسرار كذلك، الأسرار التي تشكلّ ذلك الاتكاء العاطفيّ للإنسان في أصدق لحظات حبّه، ربّما لأجل هذا دافع الأغلبية عن سرّ درويش بدل أبوته التي تنازل عنها، لأنّ في دفاعهم ذلك  نوعاً من الدّفاع عن أسرارهم لدى الآخرين، وفقدان أيّ سّر يُشبه عالماً فُقدت فيه حاسّة الشّم وتساوت رائحة القاذورات برائحة العطور، ما يفضل الكثير من النّاس لو أنّهم كانوا بلا أسرار، خاصّة حينما يتعرّضون للفضيحة، فيموت الكثير منهم جرّاء الاكتئاب والوحدة، بينما ترى أنّ لهم عينين مليئتين ولساناً فارغاً.

صحيح أن في الحياة الأدبيّة أشياء كثيرة أدبيّة قرأناها وعرفناها، لأنّ أحدهم لم يلتزم الصّمت، إلا أنّ ثمّة فرقاً بين الإضافة والرغبة في الانقضاض، وفي هذا الأمر يتفاوت المُحتفظون بالأسرار بين من يحتفظ بها كفضيحة، ومن يعبر منها ولا تعبرهُ، وهذا ما فعله سليم بركات حينما أخبرنا أنّ لدرويش ابنة من امرأة متزوجة، لقد تنازل كما يبدو  عن صداقته ظاهرياً بطريقة جماهيريّة كان قد حضّرنا لها درويش مُسبقاً حينما قال: لا تكثروا من الفضفضة، فإنّكم لا تدرون متى يخون المنصتون"، وتعامل مع هذا السّر معاملة شرقيّة تنظر إلى الإنجاب خارج منظومة الزّواج على أنه سر يجب أن يذهب مع صاحبه إلى القبر، لكن الدّافع النّفسيّ تجلّى في تلك الرغبة المكبوتة لقتل أبيه في الشّعر، بعد أن أشهر بنوّته له في بداية المقال.

قد لا يستطيع الحُلول محلّه، لكنّه يريد إزاحته،  ولو أخلاقياً، متناسياً أنّ درويش لم يتراجع حتّى حينما علم القراء بأنّ لهُ حبيبة يهوديّة كتب فيها قصيدة "ريتا"، وبدا أنّ صراع سليم كان طويلاً مع عقدة أوديب، في تاريخ المقال المكتوب سنة 2012 والمنشور سنة 2020، سليم بركات الذي قدّمهُ درويش للقراء لم يجد  أيّ تردّد في الاعتراف ببنوّته لدرويش.

وفي ذلك التّقديم، تولّد الشّعور بالغريم وتفاقم التّغريب وازداد الإحساس بالذات الأقل، وفي علاقة المتفوّق تولدت مشاعر متقرّحة استمرت في التهام ذاتها، وبدل أن تعلن علّتها، أعلنت أسرارها كما لو أنّها قوة، إلا أنّها نوع من الاستسلام، وكلما أمعن الآخر بالحب، شعر هذا الأخير بالمرض والكراهية أكثر.

فهنالك أشخاص إذا أحببتهم زادوا في كرههم لك. إنّهم يشعرون بأبوّتك، وهذا الشّعور يوقظ في داخلهم ذلك التورم تحت أقدام الاستبطان، فيُقدمون على قتلك  مدفوعين بالشّعور  بالرّفض والرغبة في الحلول محلك، ففي علاقة المتفوّق هذه لم يكن سليم بركات يملك سوى هذا السّر الذي شعر من خلاله بأنّه أفضل من درويش، لذلك أفشاه كردّ على درويش حينما قال في قصيدته "ليس للكردي إلّا الريح": انتقمت من الغياب، فعلتُ ما فعل الضباب بإخوتي، وشويت قلبي كالطريدة.

في الأخير يحقّ لنا أن نتساءل ممن انتقم سليم، هل من درويش فعلاً، أم من تلك المرأة التي استطاعت أن تنجب منه غريماً له على تلك الأبوّة؟

دلالات