فـلسطين والمواطنة الأخلاقية

23 يناير 2016
الصورة

مسيرة تضامن في لندن مع غزة (26 يوليو/2014/أ.ف.ب)

في العرف العام، تُعرّف البلاد بحدودها وعواصمها ومدنها الرئيسة، وغير ذلك من العناصر التأشيرية التي ندرّسها لطلابنا في مدارسهم، كما دُرّست لنا في مدارسنا. ويُعرَّف أهل كل بلد بها: فالسوري مَن تحدّر من أصولٍ سورية، حتى لو كان لا يحمل جواز سفر سورياً، طالما ارتضى ذلك لنفسه؛ فكما أنه لا إكراه في الدين فيجب أن لا يكون هناك إكراه في المواطنة أيضاً. المواطنة اختيار لا إجبار: هي تصويت يومي على الانتماء للأمة، حسب تعريف أرنست رينان الشهير، الذي حاول توصيف المفهوم الكلاسيكي للتوجه الفرنسي في تعريف الأمة - القومية. ما قلت ينطبق على فلسطين وأهلها، حتى لو كان الفلسطيني خارج الأرض الفلسطينية أجيالاً متعاقبة، بل لعل المعادلة قد تكون مقلوبة في هذا السياق، فتجعل الوطن أشد قرباً للنفس، كلما ابتعد صاحبه عنه، كالعاشق الذي يزداد عشقاً لمحبوبه، كلما طال الفراق.
لكن مفهومي الوطن والمواطنة في معناهما التقليدي ناقصان في رأيي، لأنهما لا ينطبقان على الحالة الفلسطينية في خصوصيتها الفلسفية. نعم، فلسطين بقعة محددة من الأرض، ولها أهلها، لكنها أكبر وأعم وأشمل من هذه ومن هؤلاء. فلسطين تمتد من البحر إلى النهر، لكنها تتجاوز بحرها ونهرها، لتصل إلى العالم أجمع. فلسطين قضية أخلاقية، لأصحاب الأخلاق في العالم الذين يرفضون القهر والاحتلال، ويؤمنون بالعدالة ورد الحق إلى أصحابه؛ أولئك الذين يرفضون الحكم بالقانون لصالح الحكم القانوني المتمأسس على قانونية القانون، استناداً إلى معايير أخلاقية، تناكف العنصرية المؤطرة بالقانون. من هذا المنظار، تتجاوز فلسطين نفسها وأهلها، لتصبح وطناً لاجغرافيّاً لأحرار العالم الذين يجدون فيها فضاءً يُعبِّرون من خلاله عن إنسانيتهم. وهم بفعلهم هذا ينتزعون لأنفسهم حق المواطنة الفلسطينية في قضية يكون إحقاق الحق فيها هو الوطن، وطنٌ فلسطيني المنبت عالمي الاتساع. فبالنسبة لي، كل من ينافح ويناضل من أجل القضية الفلسطينية، بالمفهوم الذي أطرح، فلسطيني، له حق تقرير المصير الكينوني المؤطر فلسطينياً، مهما كان أصله وفصله، منبعه ومصبه، دينه من عدمه، عرقه أو إثنيته أو جنسه أو جنسيته. حتى اليهودي، مُؤسْرلاً كان أم لا، يمكنه من هذا التخندق الأخلاقي أن يكون فلسطينياً.
عندما ذهبت للدراسة في بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، كان ذكر اسم فلسطين من
الموبقات السياسية عند أغلبية الشعب البريطاني الذي كان ما زال مخموراً بانتصار داود الصغير على التنين العربي الأعظم. كنت حينها أدرس في جامعة سانت أندروز الاسكتلندية التي أصبحت في ما بعد جامعة الأمير وليم وزوجته كيت ميدلتون اللذيْن أضافا إليها شهرة جديدة فوق شهرتها العتيقة. جاءنا ذات مرة المناضل الفلسطيني المرحوم فوزي الأسمر، صاحب كتاب "أن تكون عربياً في إسرائيل"، لإلقاء محاضرة عن فلسطين. دهشت حينها من شجاعته، على الرغم من ضراوة الهجوم عليه الذي اتهمه، واتهم الفلسطينيين، بالنازية. عندها، تحولنا، نحن القلة القليلة، من النضال الفلسطيني إلى النضال من أجل تحرير جنوب أفريقيا ساحة آمنة، نمارس من خلالها مقاومة الظلم والعنصرية. حينها، تعرفت على مقولة الناشطين السياسيين في هذا النضال أن أفريقيا الجنوبية تتجاوز أفريقيتها وجنوبيتها، لتكون وطناً لكل من دافع عنها، وعن عدالة قضيتها، فتجعل منه مواطناً من أفريقيا الجنوبية. كان وقع هذه المقولة علينا في حينه كالسحر، حيث أصبحتُ أنا العربي الفلسطيني أفريقيّاً جنوبياً أرضع حليب مواطنةٍ جديدةٍ انصهرت فيها قضية فلسطين في موطن آخر أصبح موطني.
ودارت الأيام، وحصل ما حصل في جنوب أفريقيا، وأقمنا احتفالاً كبيراً في الجامعة، عارَضَنا فيه من عارضنا من أساتذتها المغرقين في العنصرية الدفينة. ولحسن الحظ، كانت فلسطين القضية قد أفلتت من الحصار الذي أنّت تحته عقوداً حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، فأصبحت ذات ألق سياسي لا بأس به. رحلنا، نحن الأفارقة الجنوبيون، من كل أصقاع الأرض إلى موطننا الفلسطيني الذي أصبح البديل الأخلاقي للنضال ضد العنصرية في جنوب أفريقيا. وعندما انتقلت بعدها إلى جامعة أدنبرة في العاصمة الاسكتلندية، حيث عملت فيها عقداً ونيّف، أنشأنا، نحن الأفارقة الجنوبيون، سوداً وبيضاً وما بينهما، الملتقى الاسكتلندي الفلسطيني الذي كان لي شرف رئاسته أربع سنوات، هذا الملتقى الذي عمل بضراوة على تحرير الكنيسة الاسكتلندية من سيطرة الجناح الصهيوني الذي هيمن عليها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعلاقته المتميّزة مع طبريا ومستشفى الولادة فيها الذي، مع أنه تحوّل إلى فندق في ما بعد، ما زال يسمى "إسكوتي" نسبة إلى اسكتلندا. وكان من نتيجة كَسْرِ تلك الهيمنة أن سحبت الكنيسة الاسكتلندية استثماراتها المشبوهة، ما أثر على أختها في الولايات المتحدة.
كان شعارنا في هذا كله أن فلسطين وطن أخلاقي، يجعل من كل من ينتمي إليه، ويناضل من أجله، فلسطينياً بالمعنى الأخلاقي. هذه هي الخصوصية الفلسطينية التي تحدثت عنها في مستهل مقالي. هذه الفلسطينية الأخلاقية هي التي جعلت من رفاق النضال، روس كامبل والفقيد كولن مورتيمر وزوجته كارول مورتيمر وغيرهم، فلسطينيين حتى النخاع. ترجم كولن وكارول، بمساعدة روس كامبل، مواطنتهم الفلسطينية بافتتاح أول دكان مختص في تسويق البضائع الفلسطينية حصراً في أدنبرة، عاصمة اسكتلندا، سمَّوْه "هديل". هكذا، عندما تصبح فلسطين وطناً أخلاقياً تنتفي الحدود، وتتمدد المواطنة لتتجاوز مقولة "من النهر إلى البحر" التي يرددها فلسطينيو الحدود الجغرافية ـ مختزلين بها رحابة فلسطين وعالميتها.

دلالات

تعليق: