فعلوا الحماقة حين كان الديكتاتور على سروج خيله!

30 أكتوبر 2018
+ الخط -
بعد سنين سبع من الكارثة السورية وبكل مشهدها الدموي والتدميري واختطاف راية الثورة من قوى الظلام والتّشدد والتي استبدلت طهر شعاراتها ونبل مقاصدها برايات الزمن الغابر خرج علينا أحدهم ليقول بالحرف الواحد: "ماذا قدّم العلمانيون للثورة السورية؟!".

ويتابع: "لولانا لما كانت هناك في سورية ثورة"! وهذا الـ أحدهم الذي يريد أن يسحب الماضي من أذنيه عنوة ليحكم به الحاضر ويسوق المستقبل على طريقة بروكست وسريره وفق الأسطورة اليونانية! نسي أو تناسى أن من ملأوا الساح والميادين هم الأباة من أبناء سورية وبناتها الماجدات أولئك الذين هبّوا لاقتحام السماء على حد وصف كارل ماركس لأبطال كومونة باريس.

يحار المرء بكيفية الرد على هؤلاء الذين يريدون تزييف حقائق الواقع ومجرياته مستندين لمنهج استئصالي استئثاري رغم الادعاء زوراً وبهتاناً أنهم يعترفون بالآخر وذلك عبر وثيقتهم السياسية "الشكلية" والتي أصدروها بعد سنة من تفجّر الثورة السورية العظيمة، تلك الوثيقة التي صدرت تحت عنوان: "ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سورية" إلا أنهم ظلوا ومن خلال تقيّتهم السياسية يناورون ويعبثون ويبيعون أوهاماً لمن أثخنتهم الجراح وكل ما ورد بميثاقهم هذا مجرد تعمية على الأهداف الحقيقية لمساعيهم والمتمثلة بالوصول لدفة الحكم، وذلك للعمل على إدارة شؤون البلاد والعباد وفق أجندتهم غير واضحة المعالم لا في المجال الاقتصادي ولا بتحديد موقف واضح من القضايا الطّبقية ولا بشكل النظام السياسي المأمول لبلادنا والتي دفعت وأهلها الكِلَف الباهظة والمهولة من أجله والمتمثل بالعبور بسورية نحو غد الحداثة والعصرنة.. سورية المؤسسات والمواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.

كان حريّا بهؤلاء أن يتقدموا بجردة حساب جريئة أمام وطن مُدَمّر وشعب مُدمى معلنين اعتذارهم للشعب واعترافهم بأخطائهم القاتلة وقلة حيلتهم بأفانين السياسة وزواريبها ودهاء الساسة وخبثهم، فهم وعلى مدى عقود يتخبّطون حيث تقلباتهم كما الفصول بين سلطة وسلطة وموقف فيمالئون الملوك حيناً ثم ينقلبون عليهم، ويتحالفون مع العسكر ثم يتباغضون ويُعلن الطلاق البيّن بينهما بعد أن تكون كلفة هذا التحالف باهظة حيث السجون تمتلئ بأنصارهم والمنافي تزدحم.

فهم لم يفيدوا من تجاربهم المريرة ولم يجدّدوا بخطابهم وكذلك لم يتجاوزوا آليات عملهم التي أكل الدهر عليها وشرب، وحين اشتبكوا مع نظام الطغيان الأسدي في ثمانينيات القرن الفائت وضعوا البلد كله بخانة "اليكّ" وأعطوا المبرر للديكتاتور وأجهزته بأن يضربوا السوريين كافة بقبضة من حديد حيث تغوّلت فروعه والتي انتشرت كالفطر بطول البلاد وعرضها، وطاولت الجميع وطاردتهم دون رحمة حيث وجدها الطاغية فرصة ذهبية لكي يسحق السوريين بكل مكوّناتهم ويشيع ثقافة الخوف والتوجّس والفساد مستنداً إلى مؤسساته الشمولية في أوساط العمال والفلاحين والطلبة والشبيبة والجبهة اللا وطنية وكذلك مؤسسته العسكرية والتي أفرغها من كل مضمون وطني وأحالها لمؤسسة عقائدية ثم عائلية شديدة الولاء له ولأزلامه.

من هنا وعود على بدء نذكّر من قال: "لولانا لما قامت ثورة في سورية"! أن هذا لا يستقيم مع حقائق التاريخ ومجريات الأحداث فالكل يعلم أن نظام الطّغيان الأسدي وبهمجيته وقسوته قمع تمرد الثمانينيات واجتث قواعده قتلاً وتهجيراً وتعذيباً ثم أصدر القانون 49 لعام 1980 سيئ الصيت والذي لاقى حينها رفضاً من جُل القوى العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث لم يعد أي وجود تنظيمي فعلي لقوى هذا التيار على الأرض منذ ذلك التاريخ وأن الثورة ولدت من رحم القهر والقمع والفساد لنظام أغلق الآفاق بوجوه السوريين كافة فكانت طوفاناً مدنياً زاهياً ومدهشاً قبل أن تنحرف البوصلة وتكثر أيدي اللاعبين بمصير الثورة والثوّار.