فضفضة عربية

30 ابريل 2018
الصورة
إصرار على بقاء الحاكم (راجي ماجد/ الأناضول)
+ الخط -

يعتقد صديق أن إصرار كثير من العرب، خصوصاً من كبار السن، على بقاء الحاكم، حتى لو كان ديكتاتوراً أو فاشلاً، سببه تجاربهم السابقة مع التغيير التي كانوا يأملون منها الخير، لكنها جلبت عليهم مزيداً من البؤس.

نحتج على ما قاله، فيحيلنا إلى نتائج الربيع العربي الذي كان هدفه تغيير أنظمة مستبدة، فانتهى إلى إحلال أنظمة أكثر استبداداً.

يمثل الصديق المتشائم وجهة نظر قطاع من العرب الذين يؤمنون بأن من يفشل مرة يجب أن لا يحاول مجدداً. هؤلاء أنفسهم يكررون عشرات الأمثال الشعبية المتداولة التي تحض على الرضا بالوضع المتاح، حتى لو كان مأساوياً.

يطرح صديق آخر نظرية مفادها أن الطباع السيئة التي يبديها مواطنون عرب تجاه بعضهم البعض ليست إلا نتيجة طبيعية لعدم قدرتهم على مقاومة الأنظمة التي تحكمهم بالحديد والنار، وأن هؤلاء المحكومين البائسين يلجؤون إلى تفريغ غضبهم المكبوت في آخرين مثلهم أملاً في استشعار قدرة ما على رد الفعل، حتى إن كان رد فعل مزعوم، أو بالأحرى مذموم.

يأخذنا صديق ثالث إلى رواية "فساد الأمكنة" للكاتب المصري الراحل صبري موسى، ويقرأ لنا منها نصاً حول قسوة المدينة على نفوس الناس، يقول: "إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين، تتراكم على قلوبنا وعقولنا، ثم تتكثف ضباباً يغشى عيوننا وأقدامنا، فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها".




ينقل أحد الأصدقاء دفة الحديث إلى رواية أخرى هي "حرب الكلب الثانية" للروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والفائزة بجائزة "البوكر" قبل أيام، ويقرأ لنا أحد حواراتها المعبرة، يقول الشخص الأول: "لاحظت أن الناس لم تعد تتعارك وتختلف لتجرح، بل لتقتل نهائياً، كما لو أنهم متفقون على قاعدة: من مكان الشجار إلى المقبرة دون المرور بالمستشفى". فيسأله الثاني: "هل يحاولون التخفف من مصاريف العلاج؟"، فيرد: "لا أظن هذا، لقد قرروا التخفف ممن يشبهونهم إلى الأبد بعد أن كانوا قد تخففوا ممن يختلفون عنهم في الماضي".

يشخص الحوار القصير الحالة القائمة في أغلب بلدان الربيع العربي، حيث تحول شركاء الثورة إلى أعداء، على الرغم من أنهم لا ينفكون يكررون المثل العربي الشهير "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". ما يمكن اعتباره الانتصار الأهم للثورة المضادة.

المساهمون