فشل الأمم المتحدة فلسطينياً: غطاء أميركي للاحتلال وأسباب أخرى

26 يوليو 2019
الصورة
يتخوّف غوتيريس من إغضاب أي طرف (أتلغان أوزديل/الأناضول)
+ الخط -
مرة جديدة ظهر ضعف الأمم المتحدة أمام الإرادة الأميركية، عبر تعطيل واشنطن إصدار بيان من مجلس الأمن الدولي يندد بهدم الاحتلال الإسرائيلي أكثر من عشرة مبان في حي وادي الحمص في بلدة صور باهر جنوب القدس المحتلة، وذلك في ظل مضي إدارة دونالد ترامب قدماً في إسقاط كل إجماع دولي لا يلبي مصالحها.
واكتفى عدد من الدول الغربية بالتنديد بعمليات الهدم في حي وادي الحمص، والتي نجم عنها تشريد مئات الفلسطينيين، وذلك في الوقت الذي تستمر فيه سلطات الاحتلال ببناء المستوطنات من دون توقف. وجاء هذا التنديد في الجلسة الشهرية التي خصصها مجلس الأمن الدولي في نيويورك هذا الأسبوع لنقاش آخر التطورات على صعيد القضية الفلسطينية، فيما منعت الولايات المتحدة محاولة من الكويت وإندونيسيا وجنوب أفريقيا لاستصدار بيان من مجلس الأمن يندد بهدم إسرائيل هذه المنازل.

واستمرت جلسة ليل الثلاثاء الأربعاء لساعات، حضرها عن الجانب الأميركي المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، أحد عرابي "صفقة القرن" (الخطة الأميركية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية)، والذي تحدث بصراحة ووقاحة عن عدم اكتراثه بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، منتقداً السلطة الفلسطينية لرفضها الصفقة، مؤكدا أن الإجماع الدولي وقرارات الشرعية لن تقدّم أو تؤخر في إيجاد حل للقضية الفلسطينية.
هذا الهجوم على الإجماع الدولي والتعددية الدولية ليس بجديد على الجانب الأميركي، ولا يقتصر على قضية فلسطين. فالإدارة الحالية تواصل ضرب كل ما يقف أمام فرض موقفها، ويظهر ذلك جلياً في انسحابها من اتفاقات دولية عديدة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ.

وفي الوقت الذي تحاول فيه دول الاتحاد الأوروبي أخذ خطوات عملية للوقوف أمام محاولة الانفراد الأميركي بالقرارات الدولية، كما في ملف المناخ أو حتى الملف الإيراني، فإنها تعجز عن أخذ خطوات فعلية في ما يخص القضية الفلسطينية. فدول الاتحاد الأوروبي التي ألقت بياناً مندداً بهدم البيوت الفلسطينية، بعد جلسة مجلس الأمن، تستمر في علاقتها التجارية والعسكرية والسياسية مع إسرائيل، من دون أن يؤثر ذلك في معاملتها، حتى عندما تضرب وتهدم الطائرات والجرافات الإسرائيلية مشاريع بنائية أو بنية تحتية مموّلة من قبل أوروبا. والبيان الذي ألقته المندوبة البريطانية، كارين بيرس، باسم سفراء عدد من الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس الأمن، كفرنسا وألمانيا وبولندا وبريطانيا، لم يكن أكثر من حبر على ورق. وقالت السفيرة البريطانية "يمثّل هدم البيوت انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وانتهاكاً لقرارات مجلس الأمن ويؤثر سلباً على عملية السلام. ويُعتبر انتهاكاً للاتفاقيات الموقّعة بين الطرفين، خصوصاً اتفاقية أوسلو، وبالتالي يقوّض فرصة حل الدولتين".

وفي أكثر من مناسبة، أعرب أكثر من سفير أوروبي في نيويورك، بشكل غير رسمي، لـ"العربي الجديد"، عن امتعاضهم مما يحدث في فلسطين، وحتى استيائهم من المواقف الرسمية للعواصم المستمرة في التعامل مع حكومة الاحتلال وكأن شيئاً لم يكن. لكن هؤلاء لا يستطيعون الجهر بتلك المواقف لأن مناصبهم والأعراف الدبلوماسية تمنعهم من ذلك. وهذا يمكن لمسه عند الحديث مع أكثر من مسؤول رفيع المستوى في الأمم المتحدة وبشكل غير رسمي. وبما أن الأمم المتحدة تخاف على مصادر تمويلها، إذ إن الولايات المتحدة أكبر مموّل لميزانية الأمم المتحدة الإلزامية والتبرعات، فإن العديد من مسؤولي المنظمة الدولية يشعرون بأنهم مقيّدون وعليهم الحذر، ليس فقط بانتقاد إسرائيل، بل بنوعية التعاطف الذي يظهرونه مع الفلسطينيين. وهذا ما يفسر التعبير عن "الحزن" بدلا من الشجب والإدانة لهدم البيوت الفلسطينية وقتل الفلسطينيين.


وفي استفسارات عديدة لـ"العربي الجديد" في نيويورك حول الموضوع، يحيل مسؤولون في الأمم المتحدة في إجاباتهم إلى القرارات والمواقف الرسمية وعدم قانونية ما تقوم به إسرائيل، من دون التعبير عن إدانة شديدة وعلناً، لأن ذلك قد يدخلهم في متاهات عديدة. لكن هذا التخبّط يجعل الأمم المتحدة تبدو ضعيفة أكثر من اللازم ويستنزف مصداقيتها الأخلاقية ويهددها، إذا ما استمرت مواقف أمينها العام أنطونيو غوتيريس الرخوة خوفاً من إغضاب هذا الطرف أو ذاك.
في المقابل فإن الدول العربية، خصوصاً الغنية منها، بعضها منهمك بحروب مباشرة كما في اليمن، وأخرى بالوكالة كما في سورية وليبيا. كما أنها، وعلى الرغم من إمكاناتها المادية الهائلة، وفي ظل الحاجة الملحّة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها لا تقدّم ما يكفي لصناديق الأمم المتحدة. وكان يمكنها أن توفر هذا الدعم لـ"يشتري" لها نفوذاً أكبر في الأمم المتحدة. وهو ما تقوم به أحياناً فقط، ولكن تستخدم ذلك لمصالحها الضيقة.

يُذكر أن الإجماع الدولي على مستوى الأمم المتحدة والقانون الدولي والقرارات ذات الصلة ما زال موجوداً ويُترجم في تبنّي قرارات الجمعية العامة الخاصة بفلسطين والاحتلال والحق بتقرير المصير والموارد وغيره بشكل سنوي. ناهيك عن قرارات مجلس الأمن التي ما زالت سارية المفعول والمتعلقة بالأمن والسلم. وعلى الرغم من أن هذه القرارات لا تعطي الفلسطينيين حقهم التاريخي بجميع أراضيهم، وهي تكرس في سياقها العام قرار التقسيم وحل الدولتين، إلا أن حتى ذلك غير مقبول عند الإدارة الأميركية حالياً. لكن وجود هذه القرارات ضروري كجزء من حل، وليس الحل النهائي.

وفي ما يخص الولايات المتحدة، يبدو أن حملة المقاطعة الدولية المستمرة منذ سنوات قد بدأت تجني ثمارها، على الرغم من أنها لم تصل إلى المستوى المطلوب بعد. ويظهر الخوف من حركة المقاطعة الدولية للاحتلال في حجم الأموال التي خصصتها إسرائيل لمحاربة مؤيدي الحركة، ناهيك عن نشاط اللوبي الصهيوني بين النواب في الكونغرس الأميركي وعلى مستوى الولايات لتجريم أو وقف أي دعم مادي رسمي لأي مؤسسة أو أشخاص يعبّرون عن دعمهم للمقاطعة. وفي بعض الولايات الأميركية، كما في تكساس، فإن ذلك يشمل أي شخص يريد الحصول على دعم مادي رسمي حتى لو لم تكن له علاقة من قريب أو بعيد بالمقاطعة، ويحتاج لتوقيع ورقة يؤكد فيها أنه لن يدعم المقاطعة، حتى قبل أن يفكر بعمل ذلك.

وانتقلت التحركات من مستوى الولايات لتصل إلى الكونغرس الأميركي والإدارة، ولا يقتصر ذلك على إدارة ترامب، وإن زادت حدتها في عهدها، فقد أصدرت الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما، تعليمات مختلفة لمكافحة حركة المقاطعة، ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة، بل على مستوى دولي والمساعدات الأميركية الخارجية. ولا يبتعد عن السياق نفسه، مهاجمة ترامب قبل أيام أربع نساء عضوات في الكونغرس من الحزب الديمقراطي ناعتاً إياهن بكارهات إسرائيل. النساء المنتخبات الأربع والممثلات للشعب من الأقليات، من بينهن إلهان عمر والتي تنحدر من أصول صومالية وجاءت إلى الولايات المتحدة كلاجئة، ورشيدة طليب المولودة في الولايات المتحدة لأبوين فلسطينيين. لكن هجوم الرئيس الأميركي على النائبات وحديثه عن عدم ولائهن لبلدهن، ليس فقط لانتقادهن السياسات الداخلية بل سياسات إسرائيل، ما يوصل المواجهة إلى مستوى جديد. في هذا السياق تبرز مصادقة مجلس النواب الأميركي، والذي يسيطر عليه الديمقراطيون، الثلاثاء الماضي بأغلبية ساحقة على قانون يعارض حركة المقاطعة الدولية، إذ حصل على تأييد 398 نائبا ومعارضة 17 وتصويت خمسة أعضاء بالحضور. وينذر ذلك بصراع داخل الحزب الديمقراطي بين الأجيال الشابة، والقديمة التي تؤيد السياسات الإسرائيلية، مثلها مثل الحزب الجمهوري، بشكل أعمى. ولا تقتصر محاولات الشيطنة والتخوين والهجوم على الداعمين للقضية الفلسطينية على فئة بعينها من الأميركيين أو الأميركيين من أصول عربية أو مسلمة، بل تطاول حتى الأميركيين اليهود إذا أخذوا موقفاً نقدياً وطالبوا بمقاطعة المؤسسات الرسمية لدولة الاحتلال وانتقدوا سياسات إسرائيل الاستيطانية والاستعمارية. بل تذهب بعض الحملات ضدهم إلى التشكيك بيهوديتهم.

وأعلنت النائبة طليب نيّتها مرافقة عدد من النواب الأميركيين إلى الأرضي الفلسطينية المحتلة لكي يطلعوا بأنفسهم على ما يحدث. ومن المتوقع أن تلقى تلك الزيارة، المتوقع القيام بها في شهر أغسطس/آب المقبل، تغطية إعلامية دولية. لكن أي تحركات دولية لن تأتي بثمارها إلا إذا كانت هناك بوصلة واضحة على مستوى القيادات الفلسطينية للطريق الذي يجب أن يسلك ونوعية الحل. أغلب هذه القيادات الرسمية متمسكة، إلى الآن، بحل الدولتين الذي أخفقت بتحقيقه أصلاً. ولعل السؤال الأكبر الآن ما الذي تريده الأغلبية الصامتة حالياً من الشعب الفلسطيني، أينما كانت، وكيف تريد الوصول إلى الحق بتقرير مصيرها؟

المساهمون