فشلت عبير موسي فهل نجحت حركة النهضة؟

02 اغسطس 2020
الصورة

ليس الحضور الإعلامي للنائبة في البرلمان التونسي، عبير موسي، مستساغاً، إذ يجعلك تشعر بأن له حيثيات أخرى غير الظاهرة؛ وليس معلوماً ما إذا كان أمرها، وهي رئيسة حزب، يتعلق بدعمٍ إماراتيٍّ فعليٍّ لها، تبدو أنها تصفي حسابات النظام المخلوع ضد زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي ورئاسته للبرلمان، وضد الحركة بعامة. تتموضع القوى السياسية في المنطقة في هذا الحلف أو ذاك، هذا ما لا يفاجئ إلّا الحمقى، ألا تشكل السعودية والإمارات ومصر حلفاً؟ أليست الدول تشكل أحلافاً، قد تبقى وقد تتغير؟! التفاهة السياسية في ألّا تكون الصراعات السياسية في هذه الدولة أو تلك، وفي تونس في الحالة هذه، بشأن قضايا تخصّ أغلبية البشر، كقضايا الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وجائحة كورونا حالياً، وقضايا كثيرة، وليكن فيها الاختلاف جديّاً وناريّاً، وصادماً، كقضايا الأحوال الشخصية أو مسألة الحريات، وبالتالي تشكيل تحالفات سياسية برلمانية وفقاً لهذه القضايا، وبما يساعد تونس على تجاوز مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، التي لم تستطع تخطيها على الرغم من مرور عشر سنوات على الثورة. عبير موسي وحلفاؤها يساهمون في أن تحصل أزمة سياسية أيضاً، ولهذا يُربكون عمل البرلمان، وهذا سيؤدي إلى تعقيداتٍ في تشكيل الحكومة، وتسميم الأجواء بين السلطات الثلاث، وبالتالي تعطيل عمل الدولة، وسيكون السبب حركة النهضة بالذات؛ هنا مسعى البرلمانية عبير موسى ومن خلفها.

وعلى الرغم من رصانة الغنوشي ومحاولته تدوير الزوايا واستيعاب القضايا التي ترفعها عبير وحلفاؤها، فإنه مطالب كذلك، بصفته رئيساً للبرلمان، ولديه كتلة وازنة فيه، العمل على طرح مشاريع نهضوية لتتجاوز تونس المشكلات الكبرى التي تقف أمامها، وليس الاستدانة من البيوتات المالية كما يفعل عبد الفتاح السيسي في مصر، وكأنّه الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد من أزماتها! المقصد أيضاً ألّا يندفع الغنوشي نحو صراعاتٍ سياسيّةٍ لا تُطعم شعباً جائعاً، وتتمحور في أحلافٍ إقليميّةٍ، وهذا سيعود بأسوأ النتائج على حركة النهضة، وتونس أيضاً.

تحتاج تونس برنامجاً وطنياً للنهوض المجتمعي ومأسسة النظام الديمقراطي، وحركة النهضة معنيّة بالأمر

الغنوشي بالذات، مطالبٌ، بعد المشاحنات التي حدثت في البرلمان، وإسقاط لائحة سحب الثقة منه، أن يطرح مشاريع لنهضة تونس، وتسهيل تشكيل حكومة وطنية بالفعل، وإيجاد علاقات جيدة مع رئاسة الجهورية، لا تُضعف من موقع رئيس البرلمان، وتراه مكمّلاً لبقية الرئاسات. وأيضاً، باعتبار الخلافات داخل حركة النهضة أصبحت معروفة، فإن الغنوشي، وقد أصبح شيخاً طاعناً في السن، إلى حد ما، يفضّل أن يعلن مغادرته العمل السياسي في الحركة أو في المناصب العمومية، ويلحق بنائبه السابق، عبد الفتاح مورو، والتفرّغ لتدوين مذكراته، فلديه كثير مما يقوله، هو، وكل من عاشوا تجارب كثيرة في ظل النظام التونسي وتقلباته، ومنذ زمن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة والرئيس الهارب زين العابدين بني علي.

تمسّكت عبير موسي بأن الغنوشي يتموضع إلى جانب تركيا وقطر وحكومة الوفاق في ليبيا، وأنه إسلامي. والسؤال: ما القضية التي تُطرح هنا من أصله؟ هل هي تجاوزات الرجل رئيس الحكومة أو رئيس الدولة في بعض تلك الاتصالات، أم إسلاميته؟ الحقيقة أن الأمرين لا يسمحان بتعطيل أعمال البرلمان. تلعب العضو البارز في حزب بن علي المنحل، التجمع الدستوري، تلعب على خلاف "عقائدي" تونسي بين العلمانيين وفوبياهم من الإسلاميين، والعكس صحيح. ولكن ما الذي يسمح لها بكل هذا الضجيج، وجمع أعداد كبيرة من المصوّتين على سحب الثقة من الغنوشي، أليس هو الإرباك الذي تعيشه حركة النهضة وزعيمها؟

الغنوشي، مطالبٌ، بعد المشاحنات في البرلمان، وإسقاط لائحة سحب الثقة منه، أن يطرح مشاريع لنهضة تونس، وتسهيل تشكيل حكومة وطنية بالفعل

هل حركة النهضة إرهابية؟ هي حركة إسلامية نعم، ولديها سياسات إشكالية بما يتعلق بالأحوال الشخصية وبتحالفاتها السياسية، ولديها رغبة في توسيع دائرة نفوذها في السلطات العمومية والسيطرة عليها، وهذا ما تفعله أيّة حركة سياسية جادّة في أي دولة! وهناك التباس لم تحسمه "النهضة" بشكل كامل بين علمنة الدولة وأسلمتها، ويفترض أن تنحاز إلى العلمنة. وهنا لا يجادل كاتب هذه السطور بشأن تطابق العلمانية مع الإلحاد، فهذا كلام خارج أي فهم جاد للعلمنة، تاريخياً وراهناً. القضية هنا هي في أن تعتبر حركة النهضة الشريعة مبادئ أخلاقية، وليست مصدراً للتشريع أو أحد مصادره، واعتبار التشريع، وبدءاً بالدستور، يستند إلى مبدأ المواطنة وشرعة حقوق الإنسان في كل تجلياتها، وتعزيز الحقوق التي تدعم العدالة الاجتماعية. حينما تتبنّى "النهضة" هذه الأفكار بشكلٍ علنيٍّ ودقيقٍ، ومن دون تلكؤ، وهي قضايا تُناقش داخلها، فإنها تُحكِم إغلاق النوافذ التي تتسلّل منها عبير موسي، وحلفاؤها، وأشباهها، وداعموها. 

القضية أكبر من الأسماء أعلاه، وأكبر من حركة النهضة والحزب الدستوري الحر. القضية في كيفية النهوض بتونس، وتعزيز النظام الديمقراطي، وكفّ التدخلات الخارجية، وفضح كل أشكال تلك التدخلات. هنا يجب الرقص، وليس في الزوايا المظلمة.

هناك التباس لم تحسمه "النهضة" بشكل كامل بين علمنة الدولة وأسلمتها، ويفترض أن تنحاز إلى العلمنة

تعنيني، أنا السوري، تجربة تونس كثيراً، بل هي تهمّ أغلبية العرب، فأيّ خلل في دمقرطة العملية الديمقراطية وتأجيل النهوض بتونس سيعني نجاحاً للحلف الإماراتي السعودي أولاً. وبالتأكيد، الاستفادة الحقيقية تكمن في نجاح التجربة، وحينها ستبدو الدول الداعمة للثورات المضادّة، والثورات المضادّة ذاتها خارج التاريخ، أو تنتظر ذلك الخروج. في سورية والعالم العربي هناك توجس من الإسلاميين، وبالطبع هناك كتلة وازنة تراهم يمثلونها. الغش بالسياسة، وتضييع الوقت، هو في عدم وضع الدين وشؤونه جانباً، وأن يتمحور في قضايا الروح والإيمان والعالم العلوي، وكممارسات أخلاقية للمؤمنين فيه، والتصدّي لقضايا الحياة: أي كيف نطوّر الدولة، ونضمن حقوق الناس، ونعزّز مأسسة النظام الديموقراطي وفصل السلطات. 

تبدو تجربة الإسلاميين في أكثر من دولة مقلقةً وإشكاليّةً. وبالطبع، نهمل هنا القول إنه يجب طردهم خارج السياسة، أو إن كل وصول لهم إلى السلطة سيمثل نهاية للديمقراطية، أو أنهم يستخدمون صندوق الانتخابات مرة واحدة. هذه القضايا مطروحة، وبقوة، وتجاربهم في معظم الدول تقول إنهم يوظفون الإسلام من أجل الوصول إلى السلطة، ومحاولة أخونتها، وبالتالي الحل الوحيد أمام حركات الإسلام السياسي مناقشة القضية جديّاً، فالموضوع ليس لفظياً، ولا يخصّ كارهين مفترضين للدين وللحركات الإسلامية، وليس خاصاً بالعلمانيين، ومن هذه الحجج. لا أبداً، القضية في كيفية شرعنة الحركات الإسلامية ودمقرطتها وعلمنتها، ومن دون التعارض مع الدين، والتعبير فعليّاً عن الكتلة السكانية التي تدين لها.

لن تنتهي مكابشات عبير موسي، فهي لا تتقن سواها، ولكن الأمر الآن بيد حركة النهضة ورئيسها وتحالفاته

لن تنتهي مكابشات عبير موسي، فهي لا تتقن سواها من أصله، ولكن الأمر الآن بيد حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي وتحالفاته، وتدبر شؤون السياسة في تونس. وإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، هناك ضرورة للابتعاد عن ترؤس أحد المقرّبين من النهضة الحكومة، أو أن تدعم شخصية منها لهذا المنصب. 

تحتاج تونس برنامجاً وطنياً للنهوض المجتمعي، ومأسسة النظام الديمقراطي. وحركة النهضة معنيّة بالأمر، وكذلك بقية القوى السياسية، ومنها حتى الحزب الدستوري الحر، فهل تغادر الحياة السياسية التونسية مستقبلاً الترهات المقيتة التي سمعناها في الأشهر الماضية، وكادت أن تهوي بالديمقراطية؟