فشروا، فشروا

26 يونيو 2020
الصورة
كنت في سن السادسة، تلميذ مدرسة ابتدائية في بلدة صافيتا في سورية، حيث كان والدي يخدم الدولة رقيبا في الدرك. ذات يوم، قيل إن علينا الخروج في مظاهرة لاستنكار موقف العرب من فلسطين. حدث ذلك نهاية عام 1946. بعد تنظمنا حسب صفوفنا، انطلقنا إلى شارع البلدة الصغيرة الوحيد، حيث أخذ أحد الأساتذة يصرخ بصوتٍ غاضبٍ مشوبٍ باليأس: فلسطين أخذوها، وردّدنا وراءه: فشروا، فشروا. 
عاد الواقع العربي إلى الأجواء التي سادت تلك المظاهرة، مع فارقٍ جوهري، أن عرب زماننا ليسوا غاضبين من إسرائيل التي لم تغير شيئا من سلوكها تجاههم، وتتصرّف كأنها مستمرة في خوض حرب استكمال كيانها، لأن ميزان القوى بينها وبين العرب بقي على ما كان عليه بينها وبين أطفال مدرسة صافيتا الابتدائية، على الرغم من أن دول من يسمون العرب تمتلك سبعة أضعاف ما لديها من سلاح، وتستعمله يوميا، ولكن ضد شعوبها، صهاينة الداخل، كما يصفهم نظام الأسدية المقاوم الذي يتعايش مع احتلال إسرائيل الجولان منذ نصف قرن ونيف، ثم، وما أن طالبه السوريون بالحرية: وعد حزبه لهم منذ سبعين عاما، حتى انقض جيشه "العقائدي" عليهم كصهاينة، ساندته إسرائيل ضدهم.
يستكمل نتنياهو المرحلة الثانية من مشروع إسرائيل الكبرى، بإذن واشنطن التي احتلت مكان مجلس الأمن، وألغت ما اتخذه من قرارات منذ عام 1947، فوهبته مدينة القدس، على الرغم من خضوعها لولاية دولية، واعتراف الأمم المتحدة بفلسطينية نصفها الشرقي، لأنها في معارف ترامب الموسوعية "عاصمتها الأبدية"، كما وهبها الجولان الذي كان حافظ الأسد قد أهداه لها في حرب حزيران التحريرية عام 1967، ثم بنى توازنات نظامه على بقائه محتلا، وها هو وزير خارجية ترامب يرحب بضم غور الأردن إلى إسرائيل، أن ضمه قرارٌ سياديٌّ لها الحق في اتخاذه، فالأغوار أرضٌ متنازع عليها وليست أرضا فلسطينية، والدليل: رفض الفلسطينيين التفاوض على مشروع "صفقة القرن" الذي بلوره مراهق صهيوني اسمه جاريد كوشنر، وظيفته زوج بنت الصهيوني الأخرق ترامب الذي كان قبول السلطة الوطنية به يعني موافقتها على التخلي طوعيا، وبكل طيبة خاطر وامتنان، عما بقي من فلسطين للمشروع الصهيوني.
تحذّر دول وبرلمانات وأحزاب وهيئات نقابية ومدنية في العالم وإسرائيل من إقدام نتنياهو على ضم الأغوار مطلع الشهر المقبل (يوليو/ تموز)، بينما يتزاحم العرب على خطب ود عدو فلسطين، ويعلنون أن التزامهم بالاتفاقيات الدولية التي عقدوها معه يعفيهم حتى من التضامن الكلامي معها، ومن تذكّر قرارات دولية هي حقوق لا تقبل التنازل لشعبها، ويرسمون خطوطا حمراء داخل الدول العربية الأخرى، أو يخوضون حروبا "قومية" ضد بعضهم فيها، كأن ضم القدس والجولان بالأمس، وغور فلسطين غدا، ليس خطّا أحمر يجب تذكير نتنياهو به، فضلا عن تذكير أنفسهم بأن لشعب فلسطين كلمة حمالة ارتدادات عليهم، بينما تثور الشعوب العربية من أجل حريتها: مقتل الاستبداد الذي ناب عنها في احتلال أوطانها، المجاورة لفلسطين والبعيدة عنها.
يتصرّف النظام العربي وكأن هناك تقسيم عمل بينه وبين تل أبيب، فتزوّده بالخبرات والمعلومات التي تساعده على إدانة طغيانه وحماية فساده ، وعدائه شعوبه، مقابل تخليه عن فلسطين وقضيتها وشعبها، وتحوّله إلى طرفٍ في علاقة يساعده "عدوه" على التحكّم بداخله، ويشفع له عند كعبة العالم الجديد: البيت الأبيض، بينما يتكفل هو بتحييد نفسه، بينما تستأنف الصهيونية مشروعها الزاحف في فلسطين الذي طاول سورية منها ما طاولها. لذلك، على ثورتها إعلان دعمها المفتوح فلسطين، والتزامها بحقوقها، ليس تضامنا معها وحسب، بل لأن الوقوف إلى جانبها هو خير دفاع عن سورية وشعبها، وتعبير عن ارتباطهما العضوي، المقابل للارتباط الإجرامي بين صهاينه تل أبيب ودمشق.