فسحة للمساحة الفنية على "إنستغرام"

02 سبتمبر 2019
الصورة
خلق التطبيق منصّة عرض بديلة للفنانين الصاعدين (Getty)
+ الخط -
منذ سنوات، يحتل تطبيق إنستغرام واجهة النشاط الفني العالمي من الناحية الرقميّة، إذْ يستعمله الفنانون والمنسّقون curators وبائعو الأعمال الفنية كوسيلة للترويج للأعمال الفنية والمؤسسات التي يمثّلونها في المجال العام. وقد ظهرت بسببه شخصيات مؤثرة Influencers، وفنانون لم يكن لهم وجود معتبر قبله. 

خلق التطبيق أيضاً منصّة عرض بديلة، تمكّن الفنانين الصاعدين من وضع أعمالهم عليها، ونسج صلات بينهم وبين الجمهور، بدون الحاجة بالضرورة لخدمات المؤسَّسات التقليدية. تسمح هذه المنصة بإنتاج المواد الفنية، لكن بطريقتها الخاصة الملتصقة بالهواتف النقالة والسياقات التي يفرضها التطبيق (مثلاً، تظهر هذه المواد في سياق محدد من المواد السابقة واللاحقة، كما تظهر أيضاً وسط ما يظهره الـHome الخاص بكل مستخدم)، لذلك لا تعرض هذه المواد خارجه، لأنها ستفقد هذا السياق، وفي حال عرضت في "غاليري"، يجب أن يستعمل الهاتف كأداة عرض. أصبح هناك اعتراف اليوم، بأعمال فنانين أنتِجَت على هذا التطبيق. وصرنا نرى أفلاماً قصيرة تنتج خصيصاً لإنستغرام، وأعمال فنية تظهر كـStory تزول بعد 24 ساعة. لكن طبعاً هذا المسار من الاعتراف لا يزال بطيئاً في العالم العربي، رغم وجود عدد كبير من التجارب التي تستحق الإضاءة عليها.

سنتحدث هنا عن مجموعة فنانين بصريين لبنانيين صاعدين، ينتجون مواد بصرية على حساباتهم الشخصية، أو عبر حسابات أنشأوها فقط لهذا الغرض. يستخدم كل واحد من هؤلاء تطبيق إنستغرام لهدف مختلف. لكن يجمعهم حس تجريبي موحّد، من ناحية طريقة استعمال التطبيق، أو موضوع المواد الفنية التي ينتجونها باستخدامه. من هؤلاء كارين كيروز، وهي فنانة "كوميكس" في الأساس، عُرِفَت بعملها مع مجلة "السمندل"، لكنها مهتمة بفن الفيديو، وتنتج مقاطع تصورها، وتقوم بتوليفها (أي المونتاج) عبر الهاتف.

أنتجت كارين خلال العامين الماضيين عشرات المقاطع القصيرة التي لا تتعدى الدقيقة، والتي يمكن وضعها في خانة الـ"فيديو آرت"، لأنها لا تركّز على موضوع أو قصة، ولا تستعمل الحوار بشكل مباشر، بقدر ما تحاول التقاط حالة شعورية أو نفسية معينة. بدأت كارين من أصدقائها، وتحديداً من النادي الليلي الذي يمضي فيه هؤلاء أوقاتهم بالحديث والاستماع إلى الموسيقى والرقص، مُسجّلة حركة أجسادهم المتناغمة حيناً والمتنافرة أحياناً أخرى، ولحظات شرودهم "الميلانكولي"، وتشتتهم الوجودي الذي يبدو غريباً وسط الفوضى، بالإضافة إلى "سلوكيات أياديهم" في علاقتها مع أجسادهم وأجساد الآخرين (الأصدقاء أو الأحباء) أو مع الفضاء العام (التصفيق أو حركة رفع الأيادي مع الموسيقى).

تراقب كاميرا كارين التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه لها في العادة، مقدمة بذلك سردية بديلة عما يحصل، مستفيدة من لامرئيّة الهاتف المحمول الذي يمتلك أفضيلة على الكاميرات العادية التي تكون أكبر بالحجم وتثير توتر الناس. فالجميع في هذه المناسبات يحملون هواتف ويصورون، لذلك عندما توجه كارين هاتفها نحو هؤلاء، فهناك احتمال كبير أن لا يغيروا تصرفاتهم.

ورغم أن الأشخاص الذين تصورهم يختلفون كل مرة، إلا أن المسارات السلوكية تكون متشابهة في أحيان كثيرة. مثلاً، ثمّة نوعان من الأجساد، واحدة مسجونة في نمط حركة توحدها طقوس لا يمكن الإفلات منها، وأخرى تحاول الإفلات من هذا التناسخ. يظهر هذا التناقض بشكل خاص في الفيديوهات التي توثق مناسبات متمحورة حول المشاهدة، مثلاً حفل موسيقي أو عرض فيلم. يتصرف بعض الناس في هذه الأمكنة بطرق تظهرهم وكأنهم ضمن طقوس دينية، تفرض وضعيات وقوف وحركة متناسخة يجب اتباعها. ومن جهة أخرى، هناك دائماً أشخاصٌ غير منضبطين يرفضون الانصياع، تجدهم واقفين بطريقة صنمية، بينما الجميع يرقصون ويحركون أجسادهم ورؤوسهم بطرق متشابهة.

يظهر هذا التناقض أيضاً في فيديوهات تحدث في أمكنة خاصة، كالبيوت التي يجتمع فيها الأصدقاء، حيث تجد أيضاً وسط الأحاديث الجدّية "كلوز آب" (أي تركيز باستخدام عدسة الكاميرا) على شخص شارد كأنه يفكر بالوجود، أو مثلاً فتاة قررت الرقص بينما يجلس الجميع. في هذه الأمكنة تنتج الأجساد سلوكيات أكثر اختلافاً، إذْ ثمّة ذواتٌ تحاول كل واحدة منها تعزيز فردانيتها من خلال نمط خاص من الحركة مختلف عن الآخر، لكن طبعاً بحدود معينة.

تنتقل كارين في فيديوهاتها بين المجال الخاص والعام، وأحياناً يتداخل المجالان، خاصة حين تستعير عناصر موجودة في الخارج لخدمة مزاج تريد إيصاله في الداخل. مثلاً الأصوات القادمة من الطريق أو أضواء السيارات التي تشتتنا عما يحدث في المنزل بين الأصدقاء. يظهر التناقض بين المجال العام والخاص بأكثر أشكاله وضوحاً في مشاهد السيارة التي تتنقل فيها كارين مع صديقاتها في المدينة، إذْ نشاهد الإشارات السياسية والإعلانات على الطرقات والمجال العام ذي الطابع "الديستوبي" في بيروت، بينما نسمع أحاديث الصديقات الحميمية في السيارة، إلى أن نجد أنفسنا وسط مسيرة لـ"حركة أمل" تحوي عشرات الدراجات النارية والباصات، ما يعرض الصديقات للتحرش اللفظي من ركاب أحد الباصات.

دلالات