فريدا كالو.. الأيقونة وليس الفنانة

10 ابريل 2019
الصورة
(من المعرض، تصوير: جونثان دورادو)

وصلت حمى الهوس بالفنانة المكسيكية فريدا كالو إلى مدينة نيويورك وتحديداً إلى متحف بروكلين، حيث يقام حالياً معرض ضخم يحتوي على قرابة 350 قطعة متنوعة ما بين لوحات وملابس وصور فوتوغرافية ومقتنيات فنية كانت بحوزتها. ويحمل المعرض عنوان "فريدا كالو: المظهر قد يكون خادعاً" والذي يستمر حتى 12 مايو/ أيار المقبل.

وعلى الرغم من أن قضية الهوس بكالو (1907-1954) ليست جديدة، إلا أن وجود معرض يضمّ عدداً كبيراً من متعلقاتها يعيد ذلك الهوس إلى الواجهة ومعه النقاش حول قضايا عديدة من بينها الفن والحب والسياسة والجندر والثقافة الاستهلاكية والاستعمار والهوية وغيرها.

ينسج المعرض خيوط قماشة الحياة التي صنعت منها الفنانة والأسطورة، أكثر مما يعرض أعمالها التشكيلية، إذ يضم فقط 11 لوحة فنية، و15 عملاً على ورق. كما أنه يضع المعروضات التي فاقت الثلاثمئة (صور وملابس وأدوات زينة وغيرها) في سياق المحطات والأحداث التي أثرت عليها وشكّلت فنها وشخصها، بحسب الجهة المنظمة، التي تلفت أيضاً إلى أنه معرض يثير بتصميمه وتنظيمه بهذا الشكل، لجهة التركيز على ملابسها ومقتنياتها، مسألة صناعة أو اختراع الذات عند عدد من الفنانين.

ثمة أكثر من 150 صورة فوتوغرافية، تتوزع بين شخصية لها في مراحل مختلفة من حياتها بما فيها طفولتها وشبابها أو تلك التي التقطت مع زوجها الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا، وأخرى أثناء ممارستها الرسم، وهناك أيضاً صور أخرى مع مقتنياتها هي وشريك حياتها، من التحف الأثرية للسكان الأصليين للبلاد، حيث كانت تحرص على لفت الانتباه إليها وتتصور إلى جانبها هي وريفيرا.

رسائل، وإكسسوارات، وملابس، بل وحتى أحمر الشفاه وزجاجات طلاء الأظافر كل ذلك متاح لزائر معرض الفنانة التي كان مظهرها جزءاً من عملها الفني، فضلاً عن عرض عدد من المشدات الطبية التي كانت تلبسها لدعم عمودها الفقري بعد عدد من العمليات الجراحية، المفارقة أن كالو لم ترتد تلك المشدات الطبية وحسب، بل إنها رسمت فوقها، كما أنها كانت موضوع رسم في أكثر من لوحة مهمة لها. أما بالنسبة إلى الثياب، فقد فاقت المئة قطعة، وشكلت جزءاً كبيراً في المعرض، سنجد عدداً لا بأس به منها مرسوماً باليد، ناهيك عن التطاريز والتصاميم التي كان عدد منها من تصاميم نساء السكان الأصليين لمدينة تيوانتيبك، جنوب المكسيك، حيث ينحدر جزء من عائلة كالو.

اكتشفت هذه المقتنيات الحميمة والشخصية عام 2004، أي بعد مرور خمسين عاماً على وفاتها، في غرفة داخل منزلها، الذي كان يطلق عليه "البيت الأزرق" بسبب لون جدرانه، حيث عاشت كالو فيه طفلة فهو منزل أبويها؛ والدها من أصول ألمانية ووالدتها من أصول إسبانية ومن السكان الأصليين، ومن ثم انتقلت للعيش فيه مع ريفيرا بعد زواجهما.

يقف المعرض عند محطات رئيسية في حياتها، أبرزها أمراضها الجسدية التي رافقتها طوال عمرها القصير، فقد رحلت ولم تتجاوز الـ 47 عاماً؛ نعرف أن كالو عانت من شلل الأطفال في السادسة من عمرها الذي خلف لديها قصراً في رجلها اليمنى، ومن ثم وقع لها حادث الحافلة في الـ 18، وترك كسوراً في عمودها الفقري واضطرها إلى الرقود في سريرها قرابة السنة "مجبصنة" ملقاة على ظهرها- وبدأت أثناء تلك المعاناة باكتشاف الرسم- ولم تشف كالو من مشاكل عمودها الفقري رغم العمليات الجراحية التي أجرتها، شمل المعرض كذلك ساقها الصناعية، حيث بترت ساقها قبل سنة من وفاتها.

وبالعودة إلى تركيز المعرض على الدور الذي لعبته ملابسها على مستويات عدة من بينها السياسي والشخصي والاجتماعي، فإن بعضا من الثياب المعروضة يظهر في لوحاتها الفنية، ناهيك عن جذبه للاهتمام وتركيز الإعلام عليه خلال رحلاتها خارج أو داخل المكسيك.

أما على الصعيد النفسي والشخصي فيرى المنظمون أن تلك الملابس أخفت معاناتها بسبب مرضها كما هشاشتها وحساسيتها. المفارقة أن تلك الهشاشة التي كانت تحاول أن تخفيها في ملابسها الطويلة وبلوزاتها الأنيقة والواسعة التي كانت ترتدي تحتها المشدات الطبية لم تكن مخفية في أعمالها الفنية بل إنها عمدت إلى تناولها وتعريتها في لوحاتها التي ركزت كذلك على ذلك الجسد المجروح والمتألم.

يتوقف المعرض كذلك عند علاقتها بالولايات المتحدة وزياراتها لمناطق عديدة من بينها نيويورك، حيث أقيم لها أول معرض فردي عام 1938. وعلى الرغم من انبهارها ببنايات نيويورك ومقدرة البشر على تشييد ناطحات السحاب ومعمار بهذا الشكل، إلا أن كالو الشيوعية لاحظت وانتقدت بشدة النظام الرأسمالي والفروقات الطبقية الشاسعة بين أغنياء نيويورك وبين بقية سكانها وخاصة الفقراء.

لا بد هنا، من الوقوف عند الإشكالية في تناول أي معرض لحياة فنان، وبالذات حين يكون امرأة، والتركيز على تفاصيلها التي تصبح مركز المعرض بدلاً من أن تكون وسيلة لفهم المسيرة الفنية بشكل أفضل. ولا شك أن كالو جعلت من ملابسها ورمزيتها، وارتباطها بالسكان الأصليين لبلادها، وجذورها من جهة والدتها، مركز اهتمام خلال حياتها كموقف سياسي واجتماعي ولا يمكن فهم فنها دون فهم تلك المراحل المختلفة.

الإشكالية في معرض من هذا القبيل، عندما يعطي الأولوية في التركيز على ملابسها وتفاصيل حياتها وصورها أن ذلك قد يؤدي إلى تهميش فنها بحجة "صناعة الذات" وتأتي على حساب التركيز على أعمالها الفنية. تلك الأعمال التي كانت قليلة الحضور في المعرض وربما يمكن القول إنها بدت شبه ضائعة حيث وزع بعضها في عدد من القاعات وبدت ثانوية بعددها القليل، وكأن فريدا الأيقونة الاجتماعية/السياسية تهمش أو تقتل كالو الفنانة.

يذكر أن هذا هو المعرض الثالث من نوعه في العالم حيث سبقه معرض مشابه في لندن 2018 والمكسيك عام 2012 لكن معرض متحف بروكلين وسع رقعة المعروضات لتشمل كذلك عدداً إضافياً لأعمالها إلى جانب عدد من المقتنيات الأثرية للمتحف نفسه والتي تشبه تلك التي كانت تملكها كالو وزوجها ريفيرا.

دلالات