فرنسيس الإصلاحي الذي يمارس "مهنة البابوية"

06 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
إنها المرة الوحيدة ربما، أو من بين المرّات القليلة التي يعيش فيها العالم حدثاً واحداً، وينشغل في كيفية مواجهة وباء كورونا اللعين. لقد وحّد هذا الوباء بين الحكّام والمحكومين، بين الأغنياء والفقراء، بين الكبار والصغار، بين المؤمنين والملحدين، وألزم الجميع منازلهم، وفرض عليهم هماً واحداً ولغة واحدة ونمط حياة واحداً، يسيطر عليه هاجس الخوف والقلق على المصير. يعني أن كورونا ساوى بين البشر بيضاً وسوداً وصفراً، إلا أنه لم يعدل في ما بينهم، فظروف كل طرف وقدرته على الصمود والمواجهة ليست واحدةً، وليست متساوية، فقدرات الدول الكبرى والغنية والمزدهرة صناعياً وتكنولوجياً، وفي المجال الصحي، تفوق بأضعاف قدرات الدول النامية أو الفقيرة. وإمكانات الأغنياء وأصحاب الثروات أكبر من قدرات الفقراء أو ذوي الدخل المحدود الذين لن يقووا على تشجيع التجار الذين يستغلون هذه الأزمة للكسب الرخيص. وفي خضم هذه المعاناة البشرية الشاملة وغير المسبوقة، صدح صوت البابا فرنسيس من حاضرة الفاتيكان، في يوم عيد الفصح، موجهاً نداء حارّاً إلى الدول الكبرى، يطالب فيه بتمكين كل الدول من أن تواجه ضرورات المرحلة الصعبة والضاغطة، عبر تخفيف حجم الديون المترتبة على الدول الفقيرة، أو حتى إلغاء هذه الديون بالكامل. وقد فعل هذا النداء فعله، إذ تجاوب صندوق النقد الدولي على الفور، وأعلنت المديرة التنفيذية للصندوق، كريستلينا جورجيفا، مساء اليوم التالي، أن المكتب التنفيذي قرّر تخفيض ديون 25 بلداً أعضاء في الصندوق لإعانتها على مواجهة هذه الكارثة الصحية. وأعلنت أيضاً عن الإجراءات التي اتخذت، والمبالغ التي حسمت، والهبات التي قدمت، والدول المستفيدة عددها 25، معظمها أفريقية، باستثناء أفغانستان وطاجيكستان واليمن. 
أعادت خطوة البابا التذكير بصفحة مشرفةٍ من تاريخ الكنيسة الكاثوليكية التي أطلقت أكثر من مبادرة إنسانية قيمة، عندما وجّه سلفه البابا يوحنا الثالث والعشرون عام 1962 نداء مماثلاً يومها، عبر إذاعة الفاتيكان باللغة الفرنسية، إلى كل الحكام، وإلى كل أصحاب الإرادات الطيبة 
في العالم، من أجل التدخل وبذل الجهود كافة، لمنع انفجار أزمة كوبا، وتحولها إلى مواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يريد أن يزرع صواريخ وأسلحة نووية دعماً لثورة فيديل كاسترو وحكمه، اعتبرت واشنطن أنها تشكل خطراً مباشراً على أمنها. حصل ذلك قبل ساعاتٍ من وقوع الكارثة، عندما استلمت السفارة الأميركية لدى الفاتيكان رسالة البابا، وكذلك السفارة السوفييتية لدى الحكومة الإيطالية، وليس لدى الكرسي الرسولي. خاطب يوحنا الثالث والعشرون جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف قائلاً: ".. فيما يستعد المجمع الفاتيكاني الثاني من أجل السلام والحوار بين الأديان، لافتتاح أعماله وسط جو من الفرح والآمال التي يعلقها عليه أصحاب الإرادات الطيبة، ها هي سحب سوداء تلبد من جديد الأجواء الدولية وتزرع الخوف لدى ملايين من العائلات حول العالم. المحبة والتآخي وسلام البشرية بين أيديكما". تجاوب الطرفان، وتم تجنب المواجهة. ومع اقتراب زمن الميلاد، وصلت إلى البابا رسالة شكر من الكرملين، جاء فيها: "بمناسبة أعياد الميلاد المقدسة، أرجو أن تتقبل تهانيّ الحارّة على نضالك الدؤوب من أجل السلام والسعادة والازدهار في العالم". علماً أنه لم يكن هناك من تبادل دبلوماسي بين الدولتين. وفي السنة التي تلتها، صدرت الرسالة الأشهر في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية تحت عنوان: "على الأرض السلام". وفي هذه الرسالة، لم يتوجه البابا إلى المسيحيين فقط، وإنما أيضاً إلى المسلمين، وإلى كل أصحاب الإرادات الطيبة، وهي الرسالة التي استعمل فيها لأول مرة تعبير "حقوق الإنسان".
وها هو فرنسيس يعيد التأكيد، بعد نحو ستين سنة، على "حقوق الإنسان"، ويبلور هذا المفهوم الحضاري في المساواة بين البشر، في تأكيده "أن التعدّدية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة ما هو إلا تعبير عن حكمة إلهية من خلالها خلق الله الكائنات البشرية. ومن هذه الحكمة الإلهية تتفرع حرية الاعتقاد وحرية الاختلاف" (وثيقة الأخوة الإنسانية - أبوظبي). وقد أعلن أيضاً عن تأييده دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إلى وقف إطلاق نار شامل، لتوحيد الجهود في مواجهة وباء العصر، وقف إطلاق نار معنية به عملياً الدول التي شملتها إجراءات صندوق النقد الدولي وتسهيلاته. وقد أراد بابا روما التأكيد أن العالم ليس في حالة حرب كما يهوّل بعضهم، ويرفض ما يذهب إليه آخرون من تفسيراتٍ خرافية، وإنما الجميع يوجد اليوم في "مركب واحد" على حد تعبيره، في مواجهة وباء يحتاج إلى العلم والعقل، وإلى الإرادات الخيرة، وإلى التعاون والتضامن بين جميع الدول والحكومات والشعوب، وليس التقوقع والانغلاق، وكأنه يريد التحذير من مخاطر ما بعد الوباء، وجنوح بعض الدول، أو نزوع بعض التيارات السياسية اليمينية في أوروبا إلى البحث عن حلول في الانغلاق وشدّ العصب القومي والانعزالي.
وكان فرنسيس قد هاجم، قبل فترة، بوضوح وجرأة، الاتجاهات المغالية بالسيادية التي تنمّ عن 
تصرّف "انغلاقي يقود إلى الحرب"، معرباً عن قلقه لوجود خطاباتٍ متداولة "تشبه خطب هتلر في عز هيجانه". وقال، في حديث نشرته صحيفة لا ستامبا الإيطالية، من دون أن يسمّي سياسيين أو بلداناً محدّدة، إن "الاتجاهات السيادية تنمّ عن تصرّف انغلاقي، أشعر بالقلق عندما نسمع خطباً تشبه خطب هتلر في 1934، هذه أفكار مخيفة". وأوضح البابا الذي يبشّر بكنيسة إنسانية معولمة مفهومه للسيادة قائلاً: "يجب أن يتمتع أي بلد بالسيادة، ويجب الدفاع عن السيادة، ولكن يجب ألا يكون منغلقاً، ويجب أيضاً الدفاع عن العلاقات مع الدول الأخرى، وبين مجموعة الدول الأوروبية، السيادية المبالغ بها غالباً ما تنتهي بشكل سيئ.. إنها تؤدي، في أغلب الأحيان، إلى الحرب". كما ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن "الشعبوية من أنواع السيادية التي تقود إلى نفس النتيجة ونفس المصير".
لا يخفي البابا الأرجنتيني عدم شغفه بالسلطة، عندما يحذر من "الهوس بالسلطة، حتى إذا كان وجه هذه السلطة على صورة المسيح ودور الكنيسة الاجتماعي. أما إذا كانت سلطة تفكر فقط بنفسها وبتأمين مصالحها فيكون أمراً محزناً فعلاً، أو أن تكون كنيسة منغلقة على نفسها". يبدو أن فرنسيس يستمتع في ممارسة "مهنة البابوية المستحيلة" كما يصفها هو، بعدما أعاد إلى الكنيسة دورها الأساسي في الاهتمام بالفقراء والضعفاء، فيما منتقدوه يعتبرون أنه يحقق شعبية خارج الكنيسة أكثر من داخلها، وهؤلاء ليسوا قلةً بين الأساقفة والآباء وداخل الرعايا. توسيعه هامش الحرية داخل الكنيسة أطلق العنان للنقاد على مواقع التواصل الاجتماعي والمدوّنات، تحديداً في صفوف التقليديين والمحافظين، وبالأخص في كنائس شرق أوروبا وفي أفريقيا، الذين يخشون من خسارة هويتهم الكاثوليكية وسلطتهم الدينية. أخصامه كثر في الداخل، ولكن وزنه الدولي يزداد، واحترامه يتعزّز بين رؤساء الدول، ومعركته الإصلاحية تتقدّم بخطى ثابتة.