فرنسا وكنوز أفريقيا: مراجعة في دفاتر كولونيالية

28 نوفمبر 2018
الصورة
(معروضات أفريقية في "متحف برانلي" في باريس، لودوفيك مارين)

نصح اثنان من الخبراء، هما مؤرخة الفنون الفرنسية بينيدكت سفوا، والكاتب السنغالي فلوين سار، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة آلاف المصنفات الفنية الأفريقية المحفوظة في المتاحف الفرنسية إلى مواطنها الأصلية في أفريقيا، وجاءت هذه النصيحة التي تضمنها تقرير الخبيرين المقدم في 23 من الشهر الجاري، بعد بضعة أشهر من تصريح الرئيس الفرنسي أثناء زيارته لبوركينا فاسو بأنه "لا يمكن إبقاء التراث الأفريقي سجين المتاحف الأوروبية"، وتكليف هذين الخبيرين بدراسة هذه القضية.

وفق وكالة الأنباء الفرنسية التي اطلعت على نسخة من هذا التقرير، قدّم الخبيران توصية بتعديل القانون الفرنسي للسماح بإعادة المصنفات الثقافية والفنية عن طريق عقد اتفاقيات ثنائية بين فرنسا والدول صاحبة هذه المصنفات. ونص التقريرعلى أن هذا التغيير في قوانين التعامل مع التراث الأفريقي سيطبّق بشكل خاص على المصنفات التي تحتفظ بها المتاحف، والتي نقلت إليها من بلدانها الأصلية خلال فترة الاستعمار الفرنسي لهذه البلدان، ويتعيّن على أي بلد أفريقي يرغب في استرداد ما يخصه منها تقديم طلب على أساس قوائم جرد سترسل إليه.

قبل هذه النقلة التي وصفت بالراديكالية في السياسة الفرنسية، كانت المطالبات تتزايد في أفريقيا باسترداد كنوزها الثقافية، لكن القانون الفرنسي ظل يمنع الحكومة من التنازل عما اعتبره "أملاكاً" للدولة، حتى تلك الموثّق أنها مسروقة، وظلّت مطالبات أصحاب هذه الأملاك الأصليين تقع على آذان صماء.

بعض المصادر تقدّر أن عدد المصنفات الفنية الأفريقية الموجود في مجموعات لدى المتاحف الفرنسية يقارب 90 ألف عمل، منها 70 ألفا في متحف "كي برانلي" الباريسي وحده، وقد أنشأه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك المغرم بالفنون الآسيوية والأفريقية.

ردود الفعل على تسرّب نبأ هذه التوصيات وإمكانية تنفيذها جاءت متنوعة؛ بعض أمناء المتاحف وتجار التحف الفنية عبّر عن اعتقاده بأن هذه العملية ستُفرغ المتاحف والصالات الفنية في بعض البلدان الأوروبية من أثمن ما لديها، لأن هذه الخطوة الفرنسية يمكن أن تضغط أيضاً على الدول الاستعمارية السابقة التي نهبت واستنزفت في الماضي، كما فعلت فرنسا، أفريقيا واستولت على كنوزها الثقافية. وقال بعض منتقدي هذه الخطوة إنها يمكن أن تدفع جامعي التحف الفنية إلى نقل عملهم إلى خارج البلد خوفاً من الاستيلاء على ما يجمعون، بينما عبّر المحافظون الأوروبيون عما سموه "الخوف" من أن تتعرض هذه المصنفات الفنية للسرقة، أو توضع بين أيد غير أمينة إذا أعطيت لمتاحف لا خبرة لديها في بلدان غير مستقرة سياسياً.

ولكن من الملحوظ أنه بين كل ردود الفعل هذه، سواء جاءت من فرنسيين أو غيرهم في القارة الأوروبية، لم يتطرق أحد إلى تاريخ عمليات سرقة ونهب أو حتى تدمير هذه الكنوز الفنية التي تستقر في صالات المتاحف الأوروبية والمجموعات الخاصة، ولم يشر أحد إلى مناطق أخرى تعرّض تراثها الفني والثقافي لما تعرّضت له البلدان الأفريقية. وحتى في الحديث عن التراث الأفريقي، لا تذكر أكبر عملية نهب وسرقة وتدمير في الأزمنة الحديثة، ونعني ما تعرّضت لها كنوز مصر القديمة الثقافية والفنية بكل أنواعها، وخاصة تلك الخمسة آلاف قطعة أثرية مصرية التي سرقها نابليون خلال السنوات التي احتل فيها مصر.

هنالك بالطبع من واجه بريطانيا أيضاً، وطالبها بإعادة ما نهبته في مرحلتها الاستعمارية، وأشهر الأصوات المطالبة كان صوت وزيرة الثقافة اليونانية في سبعينيات القرن الماضي، ميلينا ميركوري (1920-1994) التي طالبت بشدة باسترداد تماثيل تلة الأكروبوليس في أثينا، والشهيرة باسم "رخاميات إليجن" نسبة إلى البريطاني توماس بروس، لورد إليجن السابع، وكان قد استولى عليها وكلاء له وشحنوها إلى بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر بفرمان سلطاني حين كانت اليونان مستعمرة عثمانية.

اللورد البريطاني مونتاغيو ضم صوته إلى صوت المطالبين بإعادة الرموز الملكية الذهبية التي نهبها الجيش البريطاني حين احتل "كومانسي" عاصمة شعب الأشانتي، وتساءل في جلسة من جلسات مجلس اللوردات في عام 1975 إن كانت حكومة جلالتها تعي عمق مشاعر الأشانتي بشأن عودة أشيائهم المقدسة إليهم؟

ويظل ما نهبته بريطانيا من مستعمراتها السابقة موضع مطالبة من قبل دول عديدة، فالمتحف البريطاني يضع يده، بالإضافة إلى تحف مملكة الأشانتي الذهبية (جزء من أراضي غانا الحالية)، على مصنفات مملكة بينين العاجية والبرونزية (جزء من أراضي نيجيريا)، وبالطبع حجر رشيد المصري، ومجموعات ضخمة من الآثار المصرية، بالإضافة إلى الثيران الآشورية المجنحة وألواح وادي الرافدين الطينية، وما نهبه منقبو "صندوق استكشاف فلسطين" من الأرض الفلسطينية.

وتطول قائمة المنهوب من البلدان العربية وغيرها، وتمتدّ حتى إلى جزيرة الفصح في المحيط الهادئ التي يتوسل حاكمها، بل ويكاد يبكي، وهو يطالب المتحف البريطاني بإعادة ولو تمثالا واحدا من أكثر تماثيل الجزيرة شهرة بسبب قيمته الروحية بالنسبة لأهلها.

ولا ينسى أي متابع أن يضيف متاحف غربية أخرى تضع يدها على كنوز، إما وصلتها عن طريق منقّبين قاموا بتهريبها خفية، مثلما فعل الألماني لودفيج بورشارت المنقّب في تل العمارنة المصري حين قام بتهريب أجمل تماثيل مصر القديمة، تمثال نفرتيتي، التي يعني اسمها "جاءت الجميلة"، وما زالت السلطات الألمانية تصرّ على الاحتفاظ بها، والقول للمصريين ضمنياً أن "الجميلة غادرت" ولن تعود أبداً على حد تعبير الغارديان البريطانية، أو وصلتها عن طريق قلّة وعي وحيلة شعوب كانت مقدراتها بيد قوى استعمارية لم تكن "الأحجار" و"المنحوتات" و"النقوش" القديمة تعني لها إلا شيئاً واحداً؛ قيمتها النقدية عداً ونقداً، كما حصل مع "بوابة عشتار" البابلية التي تم تفكيكها ونقلها كما هي وإقامتها كبوابة لمتحف برلين.

الجدير بالذكر أن هذه الصحيفة البريطانية سبق وأن نشرت قبل ثلاث سنوات موضوعاً عنوانه "الفن الأفريقي بحاجة إلى أن يعود إلى أوطانه.. وهذا هو السبب". ولخّصت عرضها للسبب، بعد تقديمها حجج من يقف مع الإعادة ومن يقف ضدها، بالقول" لأن غياب الكنوز الفنية خسارة عظمى للمجتمع الأفريقي وللاقتصاد الأفريقي.. بالإضافة إلى أن قيمة الفن تتجاوز قيمته الاقتصادية، فهو وسيلة تربية وتعليم، وتعزيز للحيوية، وتعريف بالشخصية والهوية الوطنية، ويخلق غياب تاريخ الفن فراغاً في تاريخ وتراث أي بلد من البلدان، ومن الثابت أن له تأثيراً في خلق الحوافز الشخصية والإبداع والابتكار".

ويظل السؤال: هل فرنسا جادة في إعادة ما نهبته وسرقه جنرالاتها إلى أفريقيا معلقاً إلى أن تؤكد الأخبار صدق هذه النقلة من عصر إلى عصر آخر.