فرنسا من إيفيان إلى غزة

30 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 12:19 (توقيت القدس)

الوفد الجزائري في مفاوضات اتفاقية إيفيان 1962 (أ.ف.ب)

+ الخط -

لم تكن اتفاقيات إيفيان 1962، بين فرنسا وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، نقطة النهاية لحرب التحرير، وتمهيداً لاستقلال الجزائر وحسب، وإنما مثلت قطيعةً بين مرحلتين بارزتين في التاريخ الفرنسي بشكل عام، وتاريخ السياسة الخارجية خصوصاً، فعبر هذه الاتفاقيات، أدركت النخبة السياسية الفرنسية، بشقيها اليميني واليساري، أن مرحلة السياسة الإمبراطورية الاستعمارية قد انتهت إلى غير رجعة، وأن فرنسا مقبلة على مرحلة جديدة، لم تتضح ملامحها حتى عام 1968، أي مع بداية الجمهورية الخامسة. في تلك المرحلة، صاغ الجنرال شارل ديغول معايير السياسة الخارجية الفرنسية، التي انتقلت من سياسة استعمارية مرتبطة بالنزعة الإمبراطورية، إلى سياسة تدرك حجم فرنسا الجديد، وموقعها في إطار الحرب الباردة، وبالتالي هي مرتبطة أكثر بالمصالح الفرنسية.

وحتى ندرك ونفهم التغيرات العميقة في السياسة الخارجية الفرنسية، والاستراتيجيات المتبعة، يمكن أن نلاحظ التغير الذي أصابها تجاه القضية الفلسطينية، حيث تبنت فرنسا وتعاونت وتحالفت مع المشروع الصهيوني في فلسطين، على امتداد عقود الأربعينيات والخمسينيات وحتى منتصف الستينيات، وظهرت هذه السياسة جلية، سواء في العدوان الثلاثي على مصر، أو الإسهام الفرنسي الكبير في المشروع النووي الإسرائيلي، أو التسليح عالي التقنية للجيش الإسرائيلي. لكن هذه السياسة تغيرت مع الجنرال ديغول، الذي أراد أن يأخذ مسافة واضحة من السياسات الغربية، وخصوصاً الأميركية، في منطقة الشرق الأوسط، فبدأت السياسة الخارجية الفرنسية تتبع سياسات أكثر توازناً، من دون أن يعني ذلك القطيعة مع السياسات الغربية، ولكن، بمعنى إيجاد هامش، تستطيع فيه فرنسا أن تظهر مواقف مختلفة عن نظرائها الغربيين، من دون الإخلال بالتوجهات الغربية العامة.
وبالتالي، عاشت فرنسا، فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، على مدى الأربعة عقود اللاحقة، ما يمكن تسميتها الديغولية السياسية، وبلغت أوجها في المعارضة الفرنسية الشديدة للغزو الأميركي للعراق، في ظل إدارة الرئيس الفرنسي اليميني، جاك شيراك، ورئيس وزرائه دومينيك دوفلبان. على الرغم من وصول اشتراكيين إلى السلطة، سواء في منصب الرئاسة، أو رئاسة الوزراء، فإن النخبة الفرنسية حافظت على التوجهات الديغولية في السياسة الخارجية، مع خروقات هنا وهناك، كذاك الموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، ليونيل جوسبان، بالتأييد المطلق لإسرائيل.

هذه التوجهات للسياسة الخارجية الفرنسية، كان عليها أن تنتظر رئيساً يمينياً آخر، هو نيكولا ساركوزي، الذي رأى أن السياسة الفرنسية المبتعدة عن السياسة الأميركية حرمت فرنسا من حصة في الكعكة العراقية، وبالتالي، على فرنسا إذا ما أرادت حماية مصالحها في الشرق الأوسط، أن تلتزم بالسياسة الأميركية. ومنذ اللحظة الأولى لوصوله إلى قصر الإليزيه، عمد إلى إعادة ترميم جسور الثقة مع إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، ثم مع خليفته باراك أوباما. وعندما وصل الرئيس الاشتراكي، فرانسوا هولاند، إلى سدة الحكم، لم يستطع أن يغادر الساركوزية السياسية، التي كانت قد ترسخت في السنوات الماضية. ولكن، كان على الرجلين أن يخوضا امتحاناً صعباً للسياسة الخارجية الفرنسية، أمام حدث جلل، أطاح بالترتيبات السابقة في منطقة الشرق الأوسط، وإلى الآن، ما زال يمر بمرحلة المخاض، نقصد به الثورات العربية، أو الربيع العربي، الذي بدأ في عام 2011.

نظر الغرب، وفرنسا من بين دوله، إلى الربيع العربي بشك وريبة، من أن يمهد لخروج العالم العربي من تحت الهيمنة الغربية، وعبرت عن ذلك القلق، ميشيل إليو ماري، وزيرة الخارجية في إدارة الرئيس نيكولا ساركوزي، عندما اقترحت أمام البرلمان الفرنسي إرسال قوات مكافحة الشغب لقمع الثورة التونسية، صحيح أن ذلك التصريح كلفها الاستقالة من منصبها، لكنه عبر بصدق عن التوجه الحقيقي للسياسة الفرنسية، ولكن تلك الثورات العربية لم تمهل أحداَ، وانتشرت في الوطن العربي. وبعيداً عن الخطاب الإعلامي المضلل أحياناً، فإن الغرب عمد إلى محاولة احتوائه، أو إجهاضه، إذا أمكن.

محاولات الإجهاض والاحتواء جاءت عبر نخب سياسية، في غالبها غربية التكوين، وخصوصاً وسط النخب العلمانية العربية، فهذه النخب في معظمها فرانكفونية التكوين، ليس بالضرورة بالمعنى اللغوي، أو الثقافي، مع إن بعضها بالفعل كذلك، ولكن، ما نقصده بالمعنى البنيوي السياسي.

وهكذا، فإن موقف الرئيس هولاند من العدوان على غزة، وتأييده المطلق لإسرائيل، يندرج في هذا السياق، فمن جهة هو ملتزم بالسياسة الأميركية، ومن جهة أخرى، ترى فرنسا أن هذا العدوان في أحد وجوهه حرباً ضد تيار الإسلام السياسي. والحقيقة أن وجهة النظر الأخيرة، تتشارك فيها فرنسا مع أطراف متعددة، تجد من مصلحتها إجهاض الربيع العربي. فرنسا خصوصاً، والغرب عموماً، إضافة إلى نخب وأنظمة عربية جرت الثورة في بلدانها، وبالطبع إسرائيل، كل هذه الأطراف وجدت نفسها في تحالف الضرورة والمصلحة في موجة الثورة المضادة، حيث يراد أن تكون غزة خط النهاية الذي يجهض كل الآمال العربية. وبالتالي، تحمل المنازلة الحالية أبعاداً استراتيجية، لا تتعلق فقط بالقضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي فحسب، وإنما تتعداه إلى مستقبل المنطقة العربية برمتها.

A1CADBA5-201E-4EE1-870E-303C6562E1FF
رامي الخليفة العلي

كاتب سوري