فرنسا: حضور قوي للقضية الفلسطينية في حفل "لومانيتيه" السنوي

15 سبتمبر 2019
الصورة
عيد الصحيفة مناسبة لتجمع اليسار العربي والعالمي (العربي الجديد)
يعتبر تنظيم حفل "لومانيتيه" هذا العام إنجازا بحدّ ذاته، ففي كل عام يرى كثيرون أنه سيكون الحفل الأخير للصحيفة الفرنسية اليسارية، بسبب الأزمة التي عصفت بالحزب الشيوعي الفرنسي، فهوت شعبيته إلى ما دون الخمسة في المائة، بعد أن كان في الماضي قوة لا يُستهان بها.

ولعل أكثر الدلالات على وضعية الحزب الكارثية، عدم نجاحه في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، في إرسال أي نائب إلى البرلمان الأوروبي، وهو ما جرّ، بالضرورة، إلى فشل مدير صحيفة "لومانيتيه"، باتريك لو هايريك، المدافع الشرس عن القضية الفلسطينية في إعادة انتخابه.

ظروف الحفل السنوي لم تكن سهلة، لكن مدير حفل "لومانيتيه" باسكال أوبريه، شدد على أن هذا الحفل هو حفل الصحيفة، وليس حفل الحزب الشيوعي، كما كان في الماضي، وطمأن بعودته قائلاً "سنفعل كل ما نستطيع لتنظيم الحفل في العام القادم". ويعود الأمر إلى الضائقة المالية التي تعرفها الصحيفة، المهددة بالتوقف، ولهذا فإن من أهداف هذا الحفل نشر الجريدة، وجمع اشتراكات تمنحها بعض التوازن.

وإذا كان حفل "لومانيتيه" في السابق يسجل عجزاً، فإن الأمر تغير العام الماضي، وحقق أرباحا، ويُؤمَل أن تكون هذه السنة أكثر ربحاً. ويأمُلُ منظّمو الحفل أن يتجاوز عدد الزوار الرقم المسجل في السنة الماضية، وهو 800 ألف شخص.

ورغم الإضراب الذي عرفه ميترو العاصمة وبعض قطارات الضاحية، يوم الجمعة الماضي، فإن الطقس المشمس في اليومين الأخيرين من الحفل كان عاملاً مساعداً على تدفق الجمهور الآتي من كل أنحاء فرنسا، تحدوا غالبيتهم الساحقة الرغبة في احتساء النبيذ والجعة وتناول السندويشات والأطباق التي تأتي من شتى بقاع الأرض، والاستماع للموسيقى، خاصة أن الحفل يحرص على دعوة أبرز المغنين الفرنسيين والكثير من الضيوف الأجانب.

ومن تعوّد على زيارة الحفل منذ سنين بعيدة، لا بد أن يلاحظ في السنوات الأخيرة، أن الجمهور تغيَّر كثيرا، خاصة أن القضايا الأساسية تغيرت، فقد أصبح الشغل الشاغل هو الإيكولوجيا، أو العمل على وقف خوصصة الدولة للكثير من القطاعات، وعلى رأسها مطارات باريس. ولهذا السبب نظمت نقاشات حول هذا الموضوع، إلى جانب جمع توقيعات المواطنين ضد هذه الخوصصة، والتي لم تتعد بعد المليون توقيع، في حين يجب تسليم الحكومة في مارس/آذار القادم أربعةَ ملايين و700 ألف توقيع.

مناهضون لإسرائيل ويدعون لمقاطعتها  (العربي الجديد) 

وليس معنى هذا أن النقاشات السياسية والأيديولوجية على الطريقة القديمة لم تعد موجودة، ففي كل جناح من أجنحة الحفل هناك نقاشٌ، ولكن الجمهور في مكان آخر، وحتى حزب "نضال شعبي"، التروتسكي وتيارات تروتسكية أخرى موجودة، ولكنها لا تغري أناسا كثيرين.

اليسار الفرنسي حضر في الحفل، مثلما كان حاضرا العام الماضي، ولكن هذا لم يحل دون دخول مكوناته السياسية الانتخابات الأوروبية الأخيرة مشتتة، فحصدت الهزيمة، وحتى في ما يخص الانتخابات البلدية القادمة فلا شيء يدل على انبلاج وحدة ما.

حضور قوي للقضية الفلسطينية وداعميها  (العربي الجديد) 
كما أن اليسار العالمي كان حاضراً أيضاً، من خلال أجنحة يتفاوت حجمها. ولكن بعيدا عن الموسيقى وروائح الطبخ والمشروبات الروحية، تغيب النقاشات الحقيقية، ولا يأتي الزوار إلى أجنحة يسار أميركا اللاتينية والجنوبية، سوى لشرب "الموجيتو"، وتناول بعض الأطباق الشهيرة.

وليس اليسار العربي أفضل حالاً، فاليسار المغربي مشتت. "وكل حزب بما لديهم فرحون"، ولم يَرَ جناح اليسار الجزائري أفضل من وضع "كسكس علماني" على أحد أطباقه. ولولا النشاط المثير للإعجاب الذي أبان عنه جناح "جمعية العمال المغاربيين في فرنسا"، من خلال تنظيم ندوات مختلفة، وخاصة عن النساء، لكان الوضع كئيبا.

آمال تعلق على عائدات الحفل رغم تراجع موقع الحزب الشيوعي الفرنسي (العربي الجديد) 

ولكن الشيء الحاضر دوما يظل القضية الفلسطينية، وكل ما يتعلق بها. وتلعب جمعية "فرنسا فلسطين للتضامن"، دورا كبيرا في التعريف بنضالات الشعب الفلسطيني وتعرية الاحتلال الإسرائيلي وسياساته العنصرية. وفي أنشطتها ندوات عن كتاب "النكبة"، وعن "الشباب مع فلسطين" و"المقاومة الشعبية الفلسطينية" وعن "الأبرتهايد الإسرائيلي"، ثم عن "المعتقلين السياسيين الفلسطينيين".

وفي ما يخص المعتقلين السياسيين، استطاعت "الحملة الموحدة من أجل تحرير جورج إبراهيم عبد الله"، تنظيم مظاهرة طافت بمختلف الأجنحة، مطالبة بإطلاق سراح المناضل اللبناني، والعضو في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المعتقل في السجون الفرنسية منذ 35 عاماً، والذي كان من المفترض أن يطلق سراحه عام 1999 لولا الضغوط الأميركية والإسرائيلية الرافضة لإطلاق سراحه، والتي انبطح لها مانويل فالس(رئيس الوزراء السابق)، الذي اعترف، لاحقاً، بارتباطه الأبدي بدولة إسرائيل، بسبب زواجه من إسرائيلية.

مظاهرة تطالب بإطلاق سراح المعتقل جورج إبراهيم نصر الله (العربي الجديد) 

ونددت المظاهرة بالموقف الرسمي الفرنسي وبالصمت الذي يلف هذا الموضوع، من مختلف الأطراف بما فيها اليسارية. وكشفت أن صمود جورج في السجن وتنظيم هذه الأنشطة المحدودة لا يكفي لإطلاق سراح هذا المناضل الذي جرح أثناء تصديه لقوات الاحتلال الإسرائيلي في بلده.

وحضرت المظاهرة المناضلة اللبنانية سهى بشارة، التي أمضت عشر سنوات في معتقلات إسرائيل، من دون محاكمة. ونددت سهى بشارة بالموقف الفرنسي الكولونيالي الذي يصر على معاقبة جورج عبد الله، كما انتقدت الوضع البائس في الغرب الذي يحاصر المناضلين الشرفاء، إضافة إلى سيف معاداة السامية المسلط على الرقاب.

ولكن هل سيعود حفل "لومانيتيه" العام القادم؟ هذا ما يأمله الكثيرون، ولكنها قضية معلقة بين أيدي القضاء الفرنسي، وخاصة المحكمة التجارية، وستعرف النتيجة نهاية هذه السنة. وتبقى الصحيفة متفائلة بسبب زيادة الاشتراكات، ولكنها تعول أكثر على رحمة المحكمة وتعاطفها.

القضاء سيقول كلمته بخصوص استمرار الجريدة أو إقفالها (العربي الجديد) 

صحيح أن كثيرا من صحف اليمين الفرنسي، ومنها "لوفيغارو"، تعاطفت مع "لومانيتيه" في محنتها، فهي لا تريد اختفاء التنوع السياسي من الساحة. ولعل هذا، ربما، هو ما سيُلهم القضاة.