فرنسا تُحارب التحيّز الجنسي للإعلانات

فرنسا تُحارب التحيّز الجنسي للإعلانات

09 مارس 2018
الصورة
حملة تغطية الإعلانات في ليون (نيكولاس ليبون/NurPhoto)
+ الخط -
التحيز الجنسي أو التمييز المرتكز على الجنس قديم في فرنسا، ومحاولات مقاومته أيضاً ليست وليدة اليوم، أي أنها لم تنتظر تحرر الكلمات لدى قطاعات عريضة من النساء. وهذا الملف لم يَغب عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر، في برنامجه الانتخابي، المساواة بين المرأة والرجل قضية وطنية كبرى في ولايته الرئاسية. كما لا يمكن لأحد إغفال الجهود الكبيرة التي تلعبها سكرتيرة الدولة المكلفة بالمساواة بين النساء والرجال، مارلين شيابا، في هذا الصدد. إضافةً إلى أن المساواة بين الجنسين مدرجةٌ في صلاحيات المجلس السمعي البصري منذ يناير/ كانون الثاني 2017، مع تعديل في قانون المساواة والمواطنة، يكلّفه بالسهر على احترام كرامة الأشخاص وصورة المرأة في الإعلانات. 

الميثاق الجديد
حرص الموقّعون على ميثاق ضد القوالب النمطية المنحازة ضد المرأة في الإعلانات بغرض إعادة التوازن للأدوار التي تمنح للنساء وللرجال، الثلاثاء الماضي، الذي نجد فيه وكالات الإعلانات (الإشهار)، إضافة إلى المجلس السمعي البصري الفرنسي وممثلي اتحاد المعلنين، ومن بينهم أكور وأوريال وتوتال، وغيرها، ثم جمعية وكالات - استشارات في الاتصال، على التعهد بمكافحة النمطية الجنسية والجنسوية، ثم التنبيه إلى حالة "الإسراف في التجنيس".
واستعرض الميثاق الكثير من الآثار السلبية التي يمكن أن يحيل إليها العري، ويطالب بالحرص على "ألا يعتبر تمثيل العري شائنا وحاطّا ومُنفّرا، وألا يتم اختزال الشخص في "الشيء"".
وكشف التوقيع على الميثاق حقيقة أن معاناة النساء لا تقتصر على قطاع الإعلانات، بل إنهن لا يزلن ضحايا نقص التمثيلية في ساعات المشاهدة الواسعة في التلفزيون والراديو، كما لا تتعدى نسبتهن 29 في المائة، على الرغم من ارتفاع طفيف، في حضورهن العام على الهواء بنسبة 40 في المائة. وكشف الإعلان أيضا أنه على الرغم من ارتفاع نسبة الخبراء من النساء، اللواتي تتم دعوتهنّ في التلفزيون والراديو، بنسبة 5 في المائة، إلا أن البون لا يزال شاسعا (65 في المائة من الرجال و35 في المائة من النساء).
كما أن وضعية المرأة لم تتحسن في ما يخص السلطة السياسية، أي عبر توجيه الدعوة للضيوف السياسيين من النساء، بل وتقهقرت سنة 2017 عن سابقتها، بخمس نقاط، مما جعلها لا تتجاوز 27 في المائة. على الرغم من المناصفة الشكلية في البرلمان والحكومة.
ولم تخفِ رئيسة مجموعة العمل حول حق النساء في السمعي البصري، سيلفي بيير-بروسوليت، أن "مسألة التراكم والاستمرارية ومعاودة هذه الأدوار المخصصة بصفة مسبقة، تطرح مشكلة".
وتجدر الإشارة إلى أن دراسة للمجلس السمعي البصري الفرنسي، نشرت في الخريف، أحصت حضورا للرجال، بنسبة 82 في المائة، في أدوار "الخبراء" في الإعلانات، على الرغم من أنّ ثلثي الإعلانات التي تحمل إيحاءات جنسية تضع النساء في الواجهة.
ومن أجل تفعيل هذا الميثاق، طلب النصّ من المجلس السمعي البصري إنشاء لجنة متابعة من أجل وضع حصيلة سنوية عن الممارسات الجيدة التي تم تنفيذها، وأيضا اقتراح التحسينات المطلوبة.
واقترحت سيلفي بيير-بروسوليت، منح السلطات المختصة حق الخروج من الترسانة القمعية، لكن مع الاحتفاظ بإمكانية معاقبة كل حالة على حدة.
ورأت سيلفي بيير-بروسوليت أن الإكراه أو عودة فضيلة مفاجئة، ليسا من سيدفع المعلنين وخبراء الإعلان إلى تغيير أساليبهم، وبل أيضا، البحث عن منفعة، حتى يجذبوا اهتمام المتلقين والمشاهدين.



العري في الإعلان
الحقيقة أن "مجلس أخلاقيات الإعلان"، في فرنسا، أصدر في 30 يونيو/حزيران 2011، رأيا له حول "العري في الإعلانات، بين التمثيل والإدراك الحسي"، مُحلّلا شروط اللجوء إلى العري في خطابات الإعلانات. ورأى التقرير "أن العري احتلّ، في كل الأزمنة، من خلال تمثيليته في الفن والثقافة، مكانة هامة في المجتمع، سواء كان مُوجَّهاً للتعبير عن الجمال أو الطهرانية أو التشريح أو الإيروسية، أو موجهاً لإثارة الانفعالات والاهتمام، بل وحتى الاستفزاز". وقد "استولى الإعلان على هذا الإرث الثقافي، وأصبح، يستخدم، منذ فترة طويلة، صُوَر أجساد، عارية، بصفة كلية أو جزئية. ومنذ تحرّر العادات، تطوّر هذا السجلّ الإبداعي، أكثر فأكثر".
وأشار التقرير إلى شيئين رئيسيين واضحَيْن: أولهما أن هذه الصور الإعلانية تُظهرُ، بشكل رئيسي، العري النسائي، وثانيهما، أن العري، بعيدا عن مجرد تمثيل بسيط للحالة الطبيعية للإنسان، يُحيل، بشكل دائم، تقريبا، إلى الجنس والإيروسية أو إلى الإغواء.
واستنتج التقرير أن هذه القضية هي الأصعب في الإعلان لثلاثة أسباب: أن ردود فعل الجميع تختلف، من شخص لآخر، حسب ماضي الشخص وتاريخه ومحيطه الاجتماعي-الثقافي والتربية والعلاقة بالجسد والجنس والاحتشام. ثانيا، ردود فعل الجسم الاجتماعي على العري غالبا ما تكون انفعالية وعاطفية وغريزية، وأحيانا، تكون عنيفة. ثالثا، في مواجهة العري، فإن الإجماع الاجتماعي، أو على العكس، التابوهات، يتطور كثيرا، وبسرعة قصوى.
ثم درس "مجلس أخلاقيات الإعلان"، الشروط التي يجب رفضها في الخطابات الإشهارية، وأيضا، ما إذا كانت الإجراءات الديونتولوجية المعمول بها مُلائِمَةً بشكل كافٍ، لتأطير العري في الإعلان، أو إذا توجب التنصيص عليها.
واعترف التقرير بأن تعقد الموضوع وتنوع الانفعالات التي يحيل إليها العري يُرغمنا على أن نأخذ بعين الاعتبار حزمة واسعة من العناصر حين نريد تحديد ما إذا كان التمثيل الإشهاري للجسد العاري يَصدمُ أو لا يصدم كرامة الكائن البشري.
وينتهي تقرير "مجلس أخلاقيات الإعلان"، بخلاصات هامة، منها أن "تمثيل أجساد عارية ليس مقبولا في الإشهار بمجرد ما أن يكون هدفُهُ أو تأثيرُهُ، وبشكل خاص من خلال طابعه الاختزالي، الإساءةَ إلى "كرامة الكائن البشري"".
وعلى العكس يجب إجراء فحص، عن طريق تحليل متعدد المعايير، لمجموع العناصر التي تضيء، من جهة، محتوى الخطاب موضع الانتقاد، ومن جهة أخرى، التصور والإدراك الحسيّ للجمهور المستهدَف أو القمين بأن يمسّه هذا الإشهار.
ومن بين هذه العناصر المختلفة، يجب توجيه الاهتمام، بشكل خاص، إلى الوجاهة، أي حول ما إذا كانت للجسد العاري علاقة مع المنتوج أو الخدمة أو مع القضية التي تشكّل موضوعَ الخطاب الإعلاني. المعنى، أي هل يمكن اعتبار تمثيل الجسد حاطّا ومُهيناً في نظر كرامة الكائن البشري. وأخيرا، الإدراك الحسي، وكيف يمكن لتمثيل الجسد العاري، بسبب عامل مكانِ أو لحظةِ أو سياقِ بث الخطاب الإعلاني، أن يدركه، حسيا، الجمهورُ الذي يتوجه إليه هذا الخطاب (الإشهاري)، أو الذي يمكن أن يصل إليه، حتى ولو بطريقة غير منتظرة أو غير إرادية.


إرث الماضي
لقد انتقلت المرأة في الإعلان من صورة "ربة البيت"، "الخاضعة"، إلى "ملكة البيت.. لكن تحت إشارة (الرجل)". ثم صورة "المرأة البلهاء". وهي "ليست حادة الذكاء، إضافة إلى أنها بلهاء". فـ"لا تصلح لشيء عدا الطبخ والاعتناء بالبيت". حتى وصلت إلى مرحلة "المزج بين الأناقة والجنس".
ولحد اليوم، ترى معظم الدراسات في هذا المجال أن "التمييز القائم على الجنس انتقل من الإعلان للأجهزة المنزلية الكهربائية إلى الإشهار للترف والبذخ". وهنا "امتزج البذخ بالاستفزاز المرفوق بالجنس". والمثال الأكثر شهرة في هذا الإطار هو إشهار "دولتشي أند غابانا"، الذي سقطت بعض وصلاته الإشهارية تحت طائلة الرقابة والمنع، بسبب "إهانته لصورة المرأة والسخرية منها".
إذن فصورة المرأة "انتقلت من ربة البيت" إلى "شيء جنسي". لكن الأمل في المستقبل موجود، وله شرعيته ودلائله، فالمرأة تحضر في الإعلان، أيضاً، تحت "صورة الكائن المستقل والمسؤول". على الرغم من أن المساواة الكاملة والشاملة لم تتحقق بعدُ.
وإذا كان رئيس سلطة التنظيم المهني للإشهار، ستيفان مارتن يصرّح، على هامش التوقيع على هذا الميثاق الجديد، بأن "العري ممكن أن يكون مقبولا"، في إعلانات أحواض الاستحمام وكْريمات الجسم على سبيل المثال، إلا أنه يستدرك: "ولكن ليس في بيع سيارة"، فهو لا يعبر عن الرأي العام للنساء في هذا الصدد، وإلا فأين هي حرية المرأة في التصرف بجسدها كما يحلو لها؟
وقد سبق لستيفان مارتن أن صرح في 7 سبتمبر/أيلول 2017، أن "الإعلان يسبق الواقع الاجتماعي"، مضيفاً أن "الرؤية الإعلانية للمرأة استندت، دائما، إلى تطور مكانة ودور المرأة في المجتمع". ويستشهد على هذا بإشهار مولينيكس الشهير: "مولينيكس يحرر المرأة"، سنة 1956، والذي نراه، الآن، رجعيّا، بينما كان يرن، في خمسينيات القرن الماضي باعتباره "تقدما حقيقيا من أجل الشرط النسائي".
ويقرّ مارتن بأن المرأة، بصفة عامة: "تتصدر الواجهة، أكثر من الرجل، ويتمّ تقديمها، أكثر فأكثرـ باعتبارها مستقلة وحرة في خياراتها".
وكشف هذا المسؤول أن صورة المرأة في تحسن كبير جدًا، ويحيل إلى عمل "سلطة تنظيم الإعلان" التي فحصت سنة 2016، نحو 70 ألف إشهار، 22 ألفا منها إعلانات تلفزيونية، ولم تعثر سوى على 25 تقصيرا لتوصياتها في ما يخص الصورة واحترام الشخص، أي نسبة 0,05.
وهذا يظهر إلى أي مدى استطاعت النساء أن يقلصن الفارق مع الرجال. ولكنّ الأمرَ يحتاج، رغم القوانين والمواثيق، إلى يَقظَة مستمرة ودائمة.

المساهمون