فرنسا: المترددون يملكون مفتاح الاقتراع الرئاسي

08 ابريل 2017
الصورة
66% من الناخبين مترددون باختيار مرشحهم(ليونيل بونافنتور/فرانس برس)
+ الخط -

من الدروس الأساسية التي يستنتجها المتتبع للانتخابات الرئاسية الفرنسية حالة التردد التي تنتاب الناخبين، وحيرة غالبيتهم في حسم مسألة اختيار المرشح الأنسب لتوجهاتهم السياسية، على بُعد أيام من موعد الدورة الأولى في 23 إبريل/ نيسان الحالي. وأمام حملة انتخابية مشوبة بفضائح قضائية مدوية للمرشح اليميني، فرانسوا فيون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، وفي ظل تفكك غير مسبوق للمعسكرين الاشتراكي واليميني، وبروز مرشحين جدد، تتصاعد نسبة التردد الانتخابي، إلى مرحلة صارت تؤرق السياسيين وتزرع الشكوك في توقعاتهم. وتحول المترددون إلى شريحة أساسية قد تكون مفتاح هذه الرئاسيات، والعامل الأكثر حسماً في طبيعة نتائجها.

وكان استطلاع للرأي، نشرت نتائجه صحيفة "لوموند" أخيراً، أظهر أن 66 في المائة من الناخبين ما زالوا مترددين في اختيار مرشحهم، أي ما يعادل ثلثي الناخبين الفرنسيين، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي عادة ما تجذب الناخبين وتبعث فيهم الحماس أكثر من أي اقتراع آخر. والواقع أن انتخابات 2017 تحمل في طياتها الكثير من المعطيات الجديدة التي تساهم في تأجيج التردد في أوساط الناخبين. فقرار الرئيس فرانسوا هولاند بعدم الترشح لولاية ثانية زلزل الساحة السياسية الفرنسية، لكونها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة التي يتخلى فيها رئيس منتهية ولايته عن خوض السباق الرئاسي. وهذا الانسحاب حرم النقاش الانتخابي من مرشح يدافع عن حصيلة ولايته أمام الخصوم، ما ظهر جلياً في المناظرات التلفزيونية التي جمعت بين المرشحين للرئاسة منذ انطلاق الحملة الانتخابية. أيضاً جاء حدث إقصاء رئيس الحكومة الاشتراكية المستقيل، مانويل فالس، من الانتخابات التمهيدية في صفوف الاشتراكي، ليعزز غياب مسألة الدفاع عن الحصيلة الحكومية. وحتى المرشح بونوا هامون، الذي يمثل الحزب الاشتراكي بعد نجاحه في التمهيديات، يكرر بكل وضوح انتقاده لأداء الولاية الاشتراكية، ولا يمل من التذكير بأنه كان من متزعمي تيار "الساخطون"، بعد مغادرته الحكومة الاشتراكية في العام 2014، وكان على رأس النواب الذين عارضوا بشدة مشاريع القوانين التي كانت تعرضها الحكومة الاشتراكية في البرلمان.

أيضاً اتسمت الرئاسيات الحالية بمعطى جديد، ساهم في زرع البلبلة والتردد في صفوف الناخبين، وهو يتمثل في سقوط الرؤوس الانتخابية الكبرى، ومنها الرئيس الأسبق، نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء السابق، ألان جوبيه، اللذان تم إقصاؤهما من طرف فرانسوا فيون في تمهيديات اليمين والوسط في خريف السنة الماضية. وهذا ما خلق فوضى غير مسبوقة في صفوف الناخبين اليمينيين. وحتى الآن هناك ناخبون كثر من معسكر ساركوزي وجوبيه غير مقتنعين بأهلية فيون لتمثيل اليمين في الرئاسيات، ويترددون في التصويت. وساهم فيون بنفسه في خلق المزيد من التشظي في صفوف اليمين والوسط، بعد انفجار فضائحه القضائية المرتبطة بقضية التوظيف الوهمي لزوجته وأبنائه، والتي أدت بالقضاء إلى اتهامه رسمياً باختلاس أموال عامة واستغلال النفوذ. وساهم التناقض الفاضح بين سلوكه الشخصي وبرنامجه الانتخابي، الداعي إلى التقشف وترشيد النفقات العامة والتخلص من أعداد كبيرة من الموظفين، بانهيار مريع في شعبيته لدى الناخبين، بمن فيهم المتعاطفون الأوفياء مع اليمين.


وهناك معطى آخر ساهم في تضخم ظاهرة التردد الانتخابي، ويتمثل في الزلزال الذي أحدثه ترشح وزير الاقتصاد السابق، إيمانويل ماكرون. فماكرون خلخل بقوة موازين السياسة الفرنسية، بتقديم نفسه كمرشح بديل ضد النظام الحزبي، يميناً ويساراً. وتسبب تألقه المتصاعد وشعبيته المتزايدة في أضرار هائلة في المعسكرين اليميني والاشتراكي. فقد أعلنت شخصيات قيادية في اليمين المحافظ والوسط اليميني، وعلى رأسها المرشح السابق للرئاسيات، فرانسوا بايرو، مبايعتها لماكرون، بالتوازي مع إعلان مانويل فالس ووزير الدفاع الحالي، جان إيف لودريان، عزمهما على التصويت له في الدور الأول من الانتخابات. وبفضل حملة انتخابية ذكية وحيوية، باتت مختلف استطلاعات الرأي أخيراً ترشح ماكرون للفوز في الدورة الأولى من الرئاسيات، وتتوقع انتصاره في الدورة الثانية في مواجهة مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.

وتعود ظاهرة التردد أيضاً إلى فكرة بدأت تترسخ في السنوات الأخيرة في أذهان الفرنسيين، وترتبط بطبيعة السلطة الرئاسية ذاتها، ومدى قدرتها على اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية الحاسمة. فهناك جزء كبير من الفرنسيين أصبح مقتنعاً بأن وظيفة الرئاسة باتت ضعيفة بالمقارنة مع القوة الطاغية التي تتمتع بها مؤسسة الاتحاد الأوروبي، وهناك من يؤمن بأن الحكومات الفرنسية باتت تخضع لإملاءات وأوامر بروكسل في المجالات الاقتصادية والمالية، وظهر ذلك واضحاً في السنوات الأخيرة بخصوص ميزانية الدولة وترشيد النفقات في القطاع العام. ويخشى مراقبون من أن يتطور التردد لدى الناخبين ويتضخم إلى مرحلة العزوف عن التصويت، ما يؤثر سلباً على نسبة المشاركة في التصويت. فقد زادت فضائح فيون في تعميق الشرخ بين الناخبين والنخبة السياسية، وبات الناس يتذمرون من عدم التزام السياسيين بالضوابط الأخلاقية، واستغلال نفوذهم لمآرب شخصية، في حين يرفعون شعارات النزاهة ويدعون إلى التقشف في برامجهم الانتخابية. غير أن محللين سياسيين يتوقعون أن يحسم غالبية الناخبين ترددهم في الأيام الأخيرة قبل موعد الدورة الأولى، وربما يختارون مرشحهم في اللحظات النهائية يوم الاقتراع.

المساهمون