فرصة جديدة

22 يونيو 2019
الصورة
بوفاة رئيس مصر السابق، الدكتور محمد مرسي، تتاح لجماعة الإخوان المسلمين فرصة جديدة لإمعان النظر في علاقتهم بأفكار جماعتهم التأسيسية، علما أنه كان هناك، من حين إلى آخر، محاولات لأقلمة فكر الجماعة ومواقفها مع تطورات وقعت منذ ثورة عام 1952 في مصر، وطرحت عليها سؤالا مفصليا بشأن كفاية سيطرتها على المساجد للوصول إلى السلطة. ومع أن تيارا إخوانيا قال بالعنف ردا على النظام الجديد، فإن السهولة التي قمع بها التنظيم الإخواني طرحت عليه سؤالَ: ما العمل؟ وهو السؤال الذي حارت في الرد عليه عقودا، قبل أن تتبنّى خيار الديمقراطية في حاضنة إسلامية، لاعتقادها أنه سيضع يدها انتخابيا على السلطة، ما دام الشعب مسلما، والمسلم إسلاميا، والإسلامي إخوانيا بالضرورة، ولن تواجه بالتالي أي تحدٍّ من أي طرف علماني، لسهولة تكفيره.
بالنظم الشمولية التي أعادت إنتاج المجتمع بدلالة السلطة وانطلاقا منها، وسيطرت على المجال العام، ونازعت الجماعة على الإسلام والمسلمين، وأخرجتها من المساجد، ومنعت تنظيماتها من جهة، والنظم المتأسلمة التي طبقت البرنامج الشمولي للسلطوية التقدّمية، كما حدث في السودان، من جهة أخرى، أزيحت الجماعة عن تمثيلها الاحتكاري الإسلام، وزاد من إزاحتها ظهور جماعات سلفية جهادية تبنّت نظريةً في الحكم وطّنها عربيا سيد قطب. نقلت السلطة من البشر إلى الله، واعتمدت السلاح وسيلةً وحيدةً لدعوةٍ انتقلت من خطب الإخوان إلى جهاد الانتحاريين، في مواجهة نظمٍ لا صوت في مساجدها غير صوتها، كما عبّرت عنه مؤسسات دينية رسمية تابعة لها، أخرجت تدابيرها الجماعة من المساجد والمجال العام، بينما كانت تتحوّل إلى "مفرخة" تياراتٍ تتربص بها عن يمينها، ونظم قمع شموليةٍ طاردتها من دون رحمة، واخترقتها واستولت على الإسلام، وفرضت التديّن الذي يخدمها على المسلمين.
وصل الدكتور مرسي إلى السلطة في لحظة الاضطراب والقلق الانعطافية هذه، فماذا فعل؟
أولا: حوّل ثورة ذات طابع شعبي غالب إلى ثورة إخوانية، لم يلتحق "الإخوان" بها إلا بعد أسبوع من انفجارها بمبادرة من عناصر مدنية تنتمي إلى الأجيال الشبابية. اقترف مرسي خطأه تحت تأثير الفكرة المسبقة التي تقول إن المسلم إسلامي، والإسلامي إخواني بالضرورة، ولا خيار له أن يكون غير ذلك، فلا جُناح على مرسي إن صادر الثورة وأممها إسلاميا، وماهى هويتها المجتمعية مع إخوانيتها. بهذا الخيار، قوّض مرسي كل ما كان يقال عن ديمقراطية "الإخوان"، وخروجهم من ثوب حزبيتهم الضيق، وتكيفهم مع ما عرفته المجتمعات العربية من تطور سياسي واجتماعي واقتصادي، وعلى صعيد العلم والوعي.
ثانيا: حوّل ثورة ضد النظام إلى انقلاب على الدولة المصرية التي توهم أن في وسعه أسلمتها، فانفض من حوله مقرّبون كثيرون منه، ومستشاروه غير الإخوانيين.
بهاتين الخطوتين، انصرف الشعب المصري عن مرسي الذي نال الرئاسة بأصوات شباب ثورة يناير غير الإخوانيين، والذين رفضوا فوز من خالوه مرشح نظام حسني مبارك، الفريق أحمد شفيق الذي كان سيصل إلى الرئاسة من دون أصوات ثوار يناير غير الإخوانيين!
وبهاتين الخطوتين، وضعت الجماعة نفسها في مواجهة الجيش والدولة، وأغلبية المجتمع المصري المطالب بالديمقراطية، وانفتح الباب أمام الانقلاب العسكري الذي أطاح بالجماعة ومرسي: بحجج قدمها لهم: إنقاذ الدولة المصرية والدفاع عن المجتمع، بأغلبيته المسلمة، غير الإسلامية أو الإخوانية!
بعد تجارب مصر والسودان والعراق وسورية والجزائر، والسلاح السلفي الجهادي، الذي يطرح نفسه بقوة كبديل للجماعة، يتكرر فشل ما تبنته الجماعة من حلول لما واجهها من تطورات في الساحتين الدينية، والوطنية/ القومية.
هذه فرصة جديدة للإخوان، فهل يطوون صفحة تديين السياسة وتسييس الدين، ويؤمنون بصورة قطعية ونهائية باستحالة قيام نظام ديني، فينخرطون في العالم ويصارعون بلاياه ، ليخرجوا من مأزق غربهم عنه، وأفشل رهاناتهم ؟!