فخامة الرأي العام اللبناني

08 نوفمبر 2019
الصورة
"حضرتنا من الرأي العام، صوت للي ما إلهم صوت.. حضرتنا الأكترية، تسع وتسعين بالمية، طرحنا من المية واحد والواحد وحده قاعد، قاعد ع الراس وقدام". تختصر رائعة الفنان اللبناني سامي حوَّاط "حضرتنا من الرأي العام" جمال المشهد وجلاله في ساحات لبنان وميادينه. ربما هي المرّة الأولى، أو هي من المرّات القليلة التي يتجلى فيها حضرة الرأي العام في ساحات لبنان، بينما يتنحى أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة، ويتخبى جنرالات الزواريب. هي المرّة الأولى التي يتوارى فيها القائد العام بكل هيئته، ويحضر الرأي العام بكامل هيبته. من طرابلس "عروس الثورة" إلى النبطية، لا صوت يعلو على "نشيد الثورة". توارى سادة الخطابة، تلاشى فطاحلة المنابر، تبخّر حملة المباخر، وحده "حضرة الرأي العام" يسمو بجماله.
يرقب محبو لبنان هذه الصور القادمة من ميادين لبنان الكرامة والشعب العنيد، ويَخال للمرء أنه يرى الفيلسوف الاجتماعي الألماني، يورغن هابرماس، يتمشّى بين الثائرين في ساحة الشهداء في بيروت، أو في جنبات ساحة النور في طرابلس، فاتحاً عينيه ليرى "المجال العام" وقد تحرّر في شوارع لبنان، وتجلت في ميادين المدن سلطة الشعب. لا صوت يعلو هنا على صوت الشعب، ولا حواجز تحاصر "التواصل" بين ناسٍ هدموا جدران الطائفية، ليعبروا نحو الحرية. يسير هابرماس في شوارع المدينة، وقد تجلى الكلام تحت ظلال الأرز بلا وسيط. يناسب الحوار في شعارات وأغان وهتافات وحتى شتائم. في أزقة المدينة، ثمة فلسفةٌ تتشكّل لإعادة صياغة علاقة اللبناني باللبناني. وفي احتجاج المدينة، ثمّة فعل نقدي، وفلسفي، ولغوي، وسياسي يجري في فضاء عمومي تحرّر من أوهام الحواجز وأحاجي العجائز.
في الساحات والميادين، يلتقي هابرماس مع ديمقراطية وليدة، خالية من أية هيمنة أو سيطرة، تبزغ بعيداً عن غابات البنادق وبنادق الغابات. هنا يتقابل المفكر القادم من مدرسة فرانكفورت مع طلائع ديمقراطية شابة تولد من رحم الثورة، حيث تكون الإرادة للمواطنين، ويتربّع حضرة الرأي العام سيداً للساحات والميادين. في الساحات والميادين، يتجلى حضرة الرأي العام بأغانيه، بموسيقاه، وبفنه الشعبي، لينفض الغبار عن مجدٍ غبَّره الساسة ببدلاتهم الأنيقة، ولوّثه زعماء الطوائف بلوثاتهم المزمنة. يرسم فنانو الثورة فجراً جديداً لا طائف فيه ولا طوائف، وحده حضرة الرأي العام يطوف الشوارع.
في الساحات والميادين، تغيب اللغة المتأنقة بربطات العنق، وتسكت بيانات النياشين الزائفة. وحده بيان الثوار يعلن شروط حضرة الرأي العام بلا فواصل منقوطة. وحدها ساندويشات اللبنة اللادبلوماسية تطفئ جوع المرابطين في الساحات. وحدها لغة الثوار مسموعة، وإن كانت نابية أو عامية، فأصحاب الفخامة والسعادة والسيادة خطفوا حتى الكلام الأنيق، وتواروا في القصور والسراي، لم يتركوا للرعاع والدهماء من الشعب إلا قاموس "أبو العبد" وأدبياته الحكيمة، وإن كانت غير مؤدبة.
تجلّى جمال لبنان في الساحات والميادين، ينفض اللبنانيون عن البلد رماد سنواتٍ عجاف طويلة، حرقت بعض لبنان الحروب، ونهب الفساد ما تبقى منه. سنوات تجَّرع فيها الناجون من لظى الحروب كؤوس الذل والعوز، حتى صار الموت مناهم، وصارت المهاجر أمنياتهم. سنوات صارت فيها طبقات الفساد أعلى من جبال صنين، وتمدّد الخراب من أعلى قمم جبل المكمل إلى أوطى قيعان البلد. ساد تجار الحرب، وسطا أباطرة الفساد على مقدّرات البلد، لم يتركوا للناس إلا الزبالة، توارث زعماء الطوائف الشعب كما توارثوا إقطاعيات أجدادهم. سنوات جرَّفت العباد، وصحَّرت البلاد.
يقف لبنان تحت المطر، يغسل جباه أبنائه من غبار سنين غبَّرت بعضهم، وغرّبت آخرين. تعود الساحات إلى حضرة الرأي العام، ويطلع منها صوت لمن لا صوت لهم/لهن، وتبعث أغانيها حياة في هامات دُفنت بالحياة. يعود "النبي" جبران خليل جبران، يجبِّر ما تكسَّر من الأجنحة، يُلقي السلام على الأرواح المتمرّدة، ويهتف مع الثائرين على امتداد ساحات لبنان: يسقط الساسة و"كلن يعني كلن" والنصر للشعب كله، بنشيده الواحد، وعلمه الواحد.
تعليق: