فتح النون وتسكين الصاد

فتح النون وتسكين الصاد

03 اغسطس 2015
+ الخط -
مررت اليوم بشارع، قلّما يكون مزدحما، لكنه على غير العادة، كان، هذه المرة، شديد اﻹزدحام، على الرغم من أن الفرصة سنحت لي، أكثر من مرة، للهروب منه، لكن الفضول دفعني إلى المواصلة، لكي أكتشف، في النهاية، أن اﻷمر كان وجوداً كثيفاً لآليات تمهد ﻹنشاء "نصب تذكاري"، حسب اللوحة اﻹرشادية التي وضعت قبيل الورشة، وما أكثر اﻷنصاب في شوراعنا.
دائما أعذر المسؤول (النائب والوزير والمدير العام...)، عندما يتقلد منصبا وتأتي تصرفاته وأفعاله على عكس ما كان يتحدث به، قبل أن يصبح مسؤولا، من وعود وخطط طموحة، وأنه يختلف تماما عن سابقيه ممن تقلدوا يوما هذا المنصب.
ربما أنا الوحيد أيضا الذي يشعر بصدق مشاعر ذاك المرشح النيابي، أو المرشح لرئاسة البلدية مثلا، وهو يخطب في الناس من مؤيديه الذين تجمهروا بناء على دعوة منه على مأدبة غداء، أو عشاء، مهيبة.
صدقوني، حتى الوزير وهو يسعى للحصول على هذه الحقيبة الوزارية، أو تلك، يكون هو أيضا صادقا جدا ومتحمسا لرسم الخطط وتنفيذها وتطوير العمل والنهوض بوزارته إلى مستويات عليا، وربما التقليل من المحسوبية أيضا.
لكن، ما الذي يحدث بالضبط، وخصوصاً لهذا المسؤول العربي، بعد أن يتقلد المنصب الذي سعى إليه جاهدا؟ لماذا يبدو وكأنه عطلت حواسه وجوارحه تماما؟ فلا وعود تستوفى، ولا خطط تنفذ، ولا سياسات صحيحة تتبع، ولا فساد يختفى أو يقل (...) ما المشكلة؟ كنت جادا عندما أخبرتكم بصدق مشاعر ومرامي وأهداف هذا المسؤول العربي، قبل أن يفوز بمنصبه. إذاً، أين الخلل، هل هو في طبيعة المنصب أم في المسؤول نفسه؟
بكل اختصار، يا قوم، اﻷزمة الذي يعاني منها المسؤول العربي، أي مسؤول عربي، هي "أزمة رجولة". نعم بكل تأكيد هي أزمة رجولة، فالمسؤول العربي، بعد أن كان صادقا في وعوده قبلا، نجده تالياً لا يمتلك الرجولة الكافية والمطلوبة، لتنفيذ وعوده وخططه الطموحة، في وجوه الذين هم أعلى منه منصبا وفاسدين، أو اﻷقل منه منصبا، لكنهم متشبثون في وظائفهم التي تغذي الفساد والفاسدين دائما. هو بحاجة للرجولة الكافية، لتمكنه من السباحة عكس التيار في ظروف مماثلة.
حقيقة، قلة هم المسؤولون العرب الذين يمتلكون تلك الرجولة التي تعطيهم زخماً أمام أولئك الفاسدين الكبار، والمفسدين الصغار. قلة هم يا قوم. لذلك، نجد أن أشهر وأكبر إنجاز قد يقوم به أمثال هؤلاء المسؤولين الذين أحدثكم عنهم، هو إنشاء ذاك "النَّصْب التذكاري"، بفتح النون وتسكين الصاد، وإﻻ لما كان حالنا على ما عليه اﻵن.
BB0E1626-EC3F-46CE-91BA-116FA9609C27
بشار طافش (الأردن)