فبراير.. آمال وأحلام

10 فبراير 2019
+ الخط -
كنت ما زلت طالبة في الجامعة، حين ارتفعت الهتافات بكلمة "اِرحل". كانت بمثابة قيد انكسر في وجه الكثير، وحلم تخفّى طويًلا وظهر بعد غيوم كثيرة، "ارحل" التي اشتعلت بها الميادين واشرأبت إليها الأعناق، كان لها طابعها الثوري البرّاق الذي أظهر لها أعداء كثر، إلا أنها شقّت طريقها بين الجموع واتّخذت حصنًا وعهدًا في نفوس الذين خرجوا وقالوا "لا" في وجه نظام فاسد. بعد ذلك بأيام، أخذت الثورة طريقها في قلوب اليمنيين الحالمين بدولة يتساوى فيها الجميع بالحقوق.
إنها الذكرى الثامنة لثورة فبراير العظيمة التي نفضت غبار اليأس المتراكم منذ سنواتٍ طويلة، وتقدّمت بخطى واثقة أمام العالم، تصدح برحيل من أمعنوا في إذلال وإفقار شعب وبلاد عظيمة، غير أنّه ولسوء حظها يتعاقب في حكمها الأسوأ، فالأسوأ.
كانت الثورة البياض والأمل الذي يخفق في قلوب كثيرين، سعوا بأرواحهم في كل الساحات آملين بالنصر والتغيير، تجلّت الأحلام في عيونهم، ردّدوا الشعر وصدحوا بالأهازيج، مثّلت ثورة فبراير لهم الخلاص الذي سيقودهم إلى الوطن، الوطن المتهالك منذ عقود طويلة.
في الساحات، اجتمع اليمنيون من مختلف المحافظات والقرى والمشارب والتوجّهات، جاءوا من الحلم البعيد ومن الأرض التي تشكّلت ملامحها منهم، جاء اليمني البسيط بأسماله وتطلّعاته، وجاء الشاب المثقف وأبطاله الثوريون، جاءت النساء والشابات الصغيرات اللواتي كبِرن، بطموحاتهن وبأصواتهن الجليّة، هبّ الكبير والصغير وتوحّدت القلوب بصوت واحد وبكلمة هزّت النظام، وارتعد أصحابها، كانت كلمةً صريحةً وقويةً ارتفع بها صوت اليمني وأرضه المتعبة، وتجلّت فيها شجاعة اليمنيين المتعبين وامتلأوا بها وامتلأت بهم.
لم تكن الثورة فعلا اعتباطيًا، أو حدثًا عابرًا، بل كانت وعيًا جماهيريًا وحاجة قصوى لشعبٍ تطلّع طويلًا لدولة حقيقية، آمن بها وسعى إلى إيجادها. أصبحت ثورة فبراير الأمل الذي راود اليمني منذ الأزل، الأمل الذي حاولوا إخماده بالاتفاقيات والمعاهدات الكثيرة، لكنها الثورة بقوّتها وعنفوانها وضوئها المستمر، هي ما جعلته يواصل طريقه المنشود بطريقةٍ سلميةٍ، لا رصاص فيها ولا نيران.
في الثورات، نأمل دائمًا النهاية المُرضية للثّوار وللثورة وللبلد، وإن جاءت النتائج معاكسة ما هو مطلوب، فهو أمر متوقع وليس مفاجئًا لكثيرين، فغالبًا ما يعقب الثورات بعض الخراب والأخطاء. ولكن من المنطقي والموضوعي ألّا نحمّل الثورة كارثية النتائج واستمرار الخراب الذي آلت إليه أحداث الثورة، فهي فعل نقي وشريف وجارح لأكثر الأنظمة فسادًا وظلمًا.
من المهم أيضًا في ثورة فبراير ألّا نعزو سبب قيام الثورة لشخص بعينه أو لجماعة بذاتها. ثار الملايين وخرجوا وضحّوا بالكثير من أجل هذه الثورة، ولم تكن من مطالبهم الشهرة والمجد والرفعة، كان لهم هدف وحيد هو الوطن، هؤلاء تحديدّا هم صفوة الثوّار وأعظمهم مكانة في قلوب كثيرين، إن ذكرتهم، تجلّت الثورة في لحظات انطلاقتها الأولى، وكأنها الصوت الوحيد في العالم الذي يدعو لمقاومة خراب عاش فيه سنينا طويلة.
في الغد وبعده وإلى الأبد، سنتحدّث عن الثورة كأعظم حدث لليمن في القرن الحادي والعشرين، للشباب تحديدًا، الذين أشرقت ثورة فبراير في عيونهم، واستقرّت في نفوسهم، وإن أعدنا التاريخ ثماني سنوات إلى الوراء لخرجنا مرة أخرى، وطالبنا النظام نفسه بالرحيل.
في الغد سنجد شيئّا عظيما نحكيه لكثيرين، وفي حناجرنا البحة الأولى التي تركتها لنا ثورة فبراير، ونحن نهتف "اِرحل".
559B0835-9340-4E8B-B286-62F582C7C98F
إجلال البيل (اليمن)