فالتر بنيامين.. في الهدم وإعادة البناء

02 سبتمبر 2019
الصورة
(فالتر بنيامين)

قدّم الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني فالتر بنيامين (1892 – 1940)، العديد من المساهمات الفكرية حول تحرير العمل الإبداعي باعتباره فعلاً أصلياً ومبتكراً ويستلزم تغييراً ما، ولو كان بسيطاً، على آليات الانتاج، ما يفرض على الفنان الجاد أن لا يضحي بالقيمة الجماليّة لعمله (الشكل) بحجّة التركيز على معنى سياسي أو اجتماعي.

أتت طروحاته تطويراً للفكر الماركسي الذي انتمى إليه، لكنها لم تجد اهتماماً يذكر في حقل الفلسفة حيث برز تأثيره الأساسي في مجال النقد والدراسات الأدبية، وكذلك شكّلت تنظيراته الفنية مرجعية في الإعلام والسينما ودراسات الصورة.

صدرت عن سلسلة "ترجمان" في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" ترجمة كتاب "فالتر بنيامين: تراكيب نقدية" للباحث البريطاني غريم غيلوت الذي نشرت طبعته الأولى عام 2002، والذي نقلته إلى العربية الأكاديمية والمترجمة السورية مريم عيسى.

يمثّل الكتاب مدخلاً يلقي الضوء من خلال قراءة متأنية ودقيقة على أهم أعمال فالتر بنيامين، إلى جانب بعض من مقالاته وخواطره التي لم تحظ بالشهرة نفسها التي عرفتها كتاباته الأخرى، ويقدم المؤلف فيه تفسيراً جديداً ورؤية مبتكرة للاستمرارية التي طبعت نصوص بنيامين الصعبة دوماً، والمتباينة أحياناً كما تبدو.

يقول المؤلف، في مدخل الكتاب، وعنوانه "بنيامين بوصفه مفكراً معاصراً أساسياً"، إن ثمة مفهومين محوريَّين في هذا الكتاب، الأول هو الفكرة القائلة إن هناك حياة لاحقة للشيء، ولا سيما العمل الفني، والثاني هو شخصية المهندس متعدد التقنيات. إنهما يلتقطان لحظتين من تفكير بنيامين الديالكتيكي: الهدم و(إعادة) البناء؛ إذ تشير الحياة اللاحقة إلى سيرورة الانحلال والتدمير الصبورة التي يبزغ فيها الشيء من سياقات سابقة، مجرّداً من بعض مزاياه الأصلية ومكتسبًا في الوقت نفسه إضافات جديدة.

وبحسب الكتاب، تمثّل أعمال بنيامين المتشظّية مزيجاً انتقائياً ومستفزاً إلى حدّ كبير من المفاهيم والموضوعات والحوافز المستقاة من مجموعة مميزة ومتنوعة من المصادر: الصوفية والمشيحانية اليهوديتين، والرومانسية الألمانية المبكرة، والحداثة، ولا سيما السريالية، وماركسية غير أرثوذكسية إلى حدّ بعيد، وتشكّل كتابات بنيامين كوكبة معقدة أو تركيباً معقداً مع كتابات عدد من الأصدقاء والرفقاء، الذين تسهم تأثيراتهم المتباينة في تشكيل الطبيعة المتناقضة والغامضة والمحيّرة التي تتسم بها مفاهيم بنيامين الأساسية.

يقدّم غيلوتش في الفصل الأول من الكتاب "النقد المحايث والنقد الأنموذجي" عرضاً للموضوعات الرئيسة في أطروحة بنيامين لنيل الدكتوراه، ويأخذ من فكرة فيخته عن التأمل بوصفه تحققاً مستمراً لوعي الذات نقطة انطلاقه، ويشير إلى الكيفية التي ترجم بها الرومانسيون هذه الفكرة في ميدان الفن، حيث يُنظر إلى النقد لا بوصفه استعادة لمقصد ما أصلي قصده المؤلف، بل بوصفه تدخلًا تأويليًّا في حياة العمل الفني اللاحقة؛ إذ يتغير المعنى ويُعاد تشكيله مع كل قراءة وفهم للعمل الفني في سياقات وتراكيب تاريخية جديدة.

في الفصل الثاني "المجاز والسوداوية"، يقول المؤلف إن بنيامين يتصور النقد ويقدمه بوصفه عملية من الهدم و(إعادة) البناء، بحيث يتمكن العمل الفني، من خلال تفسّخه وتحرره من التأويلات والسياقات التقليدية (الحياة اللاحقة)، من أن يعيد تموضع ذاته ويعيد تشكيلها وافتداءها بوصفها جزءاً من نسقٍ أوسع (مثل الفسيفساء، ومثل التركيب).

أما الفصل الثالث، وهو بعنوان "من مشهد المدينة إلى عالم الأحلام"، فيذهب إلى أن توسيع الآفاق النقدية لا يعني التخلي عن مبادئ النقد المحايث التي طوّرها بنيامين في دورة إنتاجه الألمانية، ويرى المؤلف في الفصل الرابع "باريس والممرات المسقوفة" أن مشروع الممرات المسقوفة يتميز بأنه دراسة عميقة وآسرة لأصل الثقافة الرأسمالية الحديثة وتطورها.

يوضّح غيلوتش في الفصل الخامس "الثقافة والنّقد في أزمة"، أن بنيامين يقول إن بريخت عبّر، بصفته المهندس الجمالي الأمثل ومتعدد التقنيات، عن تجارب حاسمة وأظهر استجابات جوهرية حيال الظروف السياسية المتقلقلة والمهدِّدة باطراد في ذلك العصر، وحيال تفجّر الثقافة البرجوازية التقليدية.

ويحمل الفصل السادس عنوان "بنيامين على الهواء - بنيامين عن الهالة"، ويجمع الفصل السابع "حب من النظرة الأخيرة" عدداً من موضوعات بنيامين المحورية في ثلاثينيات القرن العشرين، مأخوذة من كثرةٍ من انتصاراته ضيقة النطاق: المجاز، والسوداوية والسلعة، وتحول الفن والجماليات والتجربة في المتروبول الحديث، والتسكع والصدمة والتذكر، والكارثة والإنقاذ والأمل.