فاز ترامب وخسرت أميركا

10 نوفمبر 2016
الصورة
+ الخط -
تحققت المفاجأة، وفاز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، بالرئاسة الأميركية، مكتسحاً منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون. تحدّى ترامب كل القواعد والمؤسسات التي حكمت السياسة الداخلية الأميركية، وجاء من خلف المشهد، لكي يصبح هو النجم الفائز في واحدةٍ من أكثر الانتخابات الأميركية غرابةً. لم يكن لأحدٍ، قبل شهور وربما أسابيع قليلة، أن يجزم بأن ترامب هو الذي سيفوز، ليس فقط لأنه القادم الجديد إلى عالم السياسة، حيث لم يحتل أي منصب سياسي، تشريعي أو تنفيذي، من قبل، ولكن أيضاً بسبب خطابه وعنصريته وسجله الأخلاقي السيئ الذي لا يخفيه. ولكنه قلب كل التوقعات، واكتسح غريمته كلينتون بفارق كبير، ونجح في اقتناص ولاياتٍ كانت محسوبةً علي الديمقراطيين فترة طويلة، خصوصاً خلال الدورتين الانتخابيتين السابقتين، مثل بنسلفانيا وأوهايو وفلوريدا وويسكنسون، والتي صوّتت جميعها لترامب، بعد أن توقع كثيرون أن تحسمها كلينتون.
لم تتوقف المفاجأة عند فوز ترامب بالرئاسة. ولكن فاز الحزب الجمهوري بأغلبية الكونغرس، (238 من 435 مقعداً في مجلس النواب مقابل 193 للديمقراطيين، و51 من 100 مقعد في مجلس الشيوخ) وذلك للمرة الأولى منذ أربعينيات القرن الماضي. كما أنه سيكون من حق ترامب تعيين عضو أو اثنين في المحكمة الدستورية العليا، وسيكون من المحافظين. بكلماتٍ أخرى، إنها المرة الأولى التي يمتلك فيها رئيسٌ كلمة قوية في رسم السياسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما أصاب كثيرين بصدمةٍ غير مسبوقة، وستظل آثارها معنا فترة طويلة.
الأكثر من ذلك أن ترامب وصل إلى أهم منصب سياسي في العالم، من دون أن يمتلك سياسة واضحة في أي ملف، خصوصاً ملف العلاقات الخارجية، فالرجل لم يقدم أي رؤيةٍ متماسكةٍ أو واضحةٍ سواء لحل المشكلات الداخلية، أو في علاقاته الخارجية، ما يضع جميع المحللين والخبراء في حيرة. ولا يعرف كثيرون من سيكون الفريق الرئاسي لترامب، أو من الذين سيعيّنهم في المناصب الرئيسية، وهذا أيضاً أمر غير مسبوق في السياسة الأميركية.
فوز ترامب مؤشر واضح على مدى التغير الذي حدث في المجتمع الأميركي، والذي يبدو أنه يسير باتجاه الانغلاق على الذات، والعزلة عن العالم الخارجي ثقافياً وقيمياً وأخلاقياً. وهي ظاهرة جديدة، ربما لم يلحظها أحد من قبل، لكن ترامب استطاع التقاطها واستغلالها لصالحه. وقد نجح في أن يغزل خطابه حول هذه المسألة، ويغذيها بخطابٍ غارقٍ في العنصرية والغرور والتخويف من الآخر، وهو ما مكنّه من حسم الانتخابات لصالحه، فالملايين التي صوّتت لترامب لم تصوّت لشخصه بالضرورة، وإنما لأنه يمثل نوعاً من "الثورة" والتمرد على سياساتٍ كثيرة يرون أنها جاءت على حسابهم. وينتمي معظم هؤلاء إلى الأقلية البيضاء التي يشترك المنتمون إليها في صفاتٍ عديدة، منها الخلفية التعليمية، والتي لا تصل إلى مستوى الجامعة، والخلفية الاجتماعية، حيث ينتمي كثيرون منهم إلى الطبقة العاملة، فضلاً عن التزامهم الاجتماعي الديني المحافظ.
يسير فوز ترامب عكس الصورة التقليدية المعروفة عن المجتمع الأميركي، باعتباره مجتمعاً مفتوحاً ومتنوعاً عرقياً وثقافياً ودينياً وإثنياً. كما أنه يكسر الانطباع الزائف أن منظومة القيم الديمقراطية الأميركية التي كانت تقوم على التعدّد والتسامح وقبول الآخر قد تراجعت بشكل كبير، وأنها لم تعد ملهمة لكثيرين اختاروا التصويت لترامب. لذا، أصيبت الأقليات الدينية والعرقية والإثنية بالصدمة والذعر من الفوز المفاجئ لترامب، ويعتبره بعضهم نهاية العالم بالنسبة إليه.
فاز ترامب، وخسرت أميركا الكثير من رونقها، نموذجاً فريداً للتعدّد والتعايش والتسامح، ولم تعد تختلف كثيراً عن بعض البلدان الأوروبية التي ضربها فيروس الانقسام والاستقطاب، واكتسب فيها خطاب الكراهية والعنصرية أرضاً جديدة.