فارق السماء والأرض... بين تركيا و"مصر السيسي"

25 يونيو 2020
النقد أساس البناء (عسكرتارياً)
لن نُخدع ببروباغاندا إعلام المطبلين، فلا يوجد سوريون في قوات (حكومة الوفاق). بمعنى أن المقاتلين كلهم من مدن الغرب الليبي، ما كان ينقصهم فقط هو السلاح والعتاد المتطور وقد عقدوا اتفاقية "فوق رؤوس الأشهاد" مع الأتراك (الدولة الكبيرة المصنعة). بعكس ذلك، تداولت الصحافة منذ بضعة أسابيع شكاوى من عشائر سورية تم تجنيد أبنائها، وإرسالهم من قبل الأسد لليبيا.

الحكم على قوة وعظمة الجيوش لا يصدر وفق ما تملكه من عدد وعتاد (فقط)، إنما من عقيدة قتالية، جودة، قدرة على التجدد والتطور، وإدخال أسلحة تعوض الفاقد في المعارك. لمصر (السيسي وقبله من العساكر) جيش كثير العدد والعتاد، من غير فائدة سوى أن بسببه يجوع المصريون وتنتهك حرماتهم، وكون أنه مصنف الثاني عشر عالمياً، فلا يتعدى الأمر، غباء (إحصائياً)، حصل بناء على تعداد ما يملك من أسلحة تزوده بها أميركا في المنحة، أو أسلحة خارج نطاق العصر من مخلفات ما أنتجه الاتحاد السوفييتي المرحوم، حيث يعتمد التقييم، العامل (العددي) الرقمي الصرف، دون الالتفات لعوامل أخرى أكثر أهمية.

إنها أعداد تحشى لكمبيوتر نسبة ذكائه (صفر%)، فيحسب الطائرة بعشرين نقطة والدبابة بعشر والصاروخ بخمس والجندي بنقطة واحدة، ثم يقوم بتجميع هذه الأرقام ويخرج قائمة التراتيب.

بالمقابل فإن تركيا دولة مصنعة، بمعنى أنها عندما تخسر طائرة مسيرة (مثلاً)، تستطيع أن تصنع بدلاً منها خمسا، أما مصر(العسكر) فلا تصنع إلا ذخيرة لأسلحتها السوفييتية القديمة (المتخلفة) وهي في معظمها ذخائر لأجل "السبوبة"، وبالتالي تنفجر في أصحابها وجرِبت في كامل ليبيا، فخسارتها لطائرة تؤثر على الإحصائيات وبذا قد يؤخرها خانة أو خانات، والأهم أن أي مواجهة عسكرية بين مصر وتركيا التي خلفها حلف الناتو، تعد مستحيلاً رابعاً مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، الذي حتى لو كان حقيقة لن يتمثل في رب الغدر والخيانات العظمى (السيسي).

ولسنا في حاجة فوق ما ذكرنا إلى الإشارة لحروب جيوش دولة العساكر في مصر آخر نصف قرن، فهي انهزمت في أغلب الحروب التي خاضتها، ولا يخفى على أحد أن الاقتصاد المصري منهار، والحرب لها عوامل أهمها اقتصاد منتعش (مزدهر) وصناعات ثقيلة (حربية) وتعبئة ومعنويات، وهذه كلها يفتقر إليها الجيش المصري.


السيسي رجل الإمارات والسعودية اللتين حرضتاه على الانقلاب على رئيس منتخب شرعي، بينما شرعية الجنرال الذي ما خاض حرباً قط إلا ضد شعبه، هي مدافع الحرس الجمهوري ودباباته التي لا ترمي أبداً إلا حين تستدير للوراء كما قال الرائع دنقل، وبذا فشل فشلاً كلياً، فلا مشروع التفريعة للسويس نجح في زيادة دخلها، ولا إثقال كاهل مصر بالديون أفاد في خلق تنمية.

إن أكبر تهديد لأمن مصر القومي، وبالتالي لأمن العرب جميعا، وخصوصاً ليبيا، إن وجد هذا المصطلح، هو السيسي وسد النهضة (معاً)، ولعل مؤشرات ذلك باتت جلية في خطابه (التضليلي) منذ أيام قليلة، والذي أراده تعبويا، ففشل.

بعد أيام قليلة سيكون الأول يوليو/تموز، وسيشرع (الأحباش) في ملء سد النهضة، ما ينقص المياه الواصلة لمصر نحو 60%، ومصر أساساً (حالياً) تعاني من فقر مائي شديد فكيف تصبح بعد البدء في ملء السد الذي يستغرق في أقله 3 سنوات، والتهديد الثاني لأمن مصر القومي هو حرب اليمن التي تسيطر على أهم المضائق لمصر الواصلة لقناة السويس. لماذا برأيك قام السيسي باستعراضه! قام به لصرف الانتباه على التهديدات الحقيقية.

سسيولوجيا

مصر (السيسي)، ضمن ما سمي بصفقة القرن، تطلق أذرعها للعبث بخيرات برقة، شرق ليبيا، لكنه (وعد من لا يملك لمن لا يستحق). لعلكم شاهدتم السيسي يقول للمصريين، سابقاً ولمرات، اصبروا معي سنتين فقط، ثم قال بعد انتهائهما هي فقط ستة أشهر، وبعد الستة أشهر قال أعطوني عاما وبعدها تنحل كل المشاكل.

بالنسبة لدولة غارقة "لشوشتها" في الديون وعملتها انخفضت 260% لحل مشكلة التضخم فيها وما أنحلت، لا تكفي ثلاث سنين أو أربع لإنهاء أزماتها، اللهم إلا إذا تحصل على وعد بإطلاق يده في برقة، وفعلا أطلقت يده منذ مسرحية انتخابه الأولى، لكن ما حصل عليه فعليا لا يحل له أزمة صغيرة من أزماته المزمنة.

لعلكم لاحظتم التحريض الإعلامي المكثف في قنوات العهر المأجورة ضد برقة، فتارة يدعو ملكية تاريخية بكاملها، وأخرى إلى بنغازي، والآن بعد أن اكتشف أن مياه نهر الكفرة (المغلق) الذي لا يعرفوت حتى اسمه، فينطقونه جمعا لكلمة (كافر)، تكفي مصر لمائة وخمسين سنة، ووجود حقل بكل آباره النفطية مغلق، اكتفوا فقط بخط طول درنة - الكفرة.

الوعود التي أعطاها للمصريين وأخل بها كانت بسبب عدم وجود رؤية ولا خطط على الواقع لتنفيذها، رغم النماذج (الطفرة) في بعض دول العالم وآخرها تركيا، إلا أنه لم يسبق أن وجدت خطة في العالم، تجعل دولة مثل (مصر) تنتقل من طور المديونية والفقر إلى البحبوحة والرخاء في عامين، إلا إذا كانت تضع عينيها على نفط وذهب ومعادن ومياه (الجيران). هذه الثروات هي وحدها الكفيلة بإنهاء مشاكل الفساد بـ(مصر السيسي).

كان الأجدر بالسيسي أن يضع خططاً وبرامج لحل مشاكل بلده التي تزخر بالعلماء والمهندسين والأطباء والمثقفين الذين لفظهم بلدهم وتوزعوا على كل بلدان العالم، وتمت الاستفادة منهم في تلكم البلاد. بدلا عن ذلك ظلت عقدة الانقلاب تلاحقه فاستجدى الاعترافات بالرشى، فأعطى لإثيوبيا صكا على بياض بشأن حصتهم في النيل وسد النهضة، ثم أعطى لفرنسا أربعة مليارات ثمنا لأسلحة، منها مجموعة (رافال)، ونصفها لألمانيا، للحصول على غواصة وأسلحة بحرية، وفعل المستحيل كي يعترف به العالم. وتحصل على اعتراف عالم النفاق!

الرئيس ترامب يصفه بالقاتل وأطلق عليه لقب "دكتاتوري المفضل"، أما السعودية فأعطاها تيران وصنافير، والإمارات سيطرت على الاستثمارات في مصر بل ملكتها ملكية (مقدسة)، وأهمها جزيرة الوراق في قلب النيل والقاهرة. كما أن جيش السيسي تحول إلى بياعين للسلع ومنتجين في مصانع ومزارع وخلافه، وقدراته التسليحية ضعيفة مقارنة بغيره، مثالا، طائرة الإف 16 الأميركية المُبيعة لمصر تتوفر على قدرات دفاعية محدودة التسليح والرادار والمدى وحتى خزانات الوقود، وتختلف عن مثيلاتها التي تمتلكها إسرائيل وتختلف عن تلك التي تبيعها أميركا لدول النيتو وتختلف عن التي تصنعها أميركا لجيشها.

وفوق ذلك فإن تركيا دولة مصنعة، وبالتالي رغم أفضلية الـ"إف 16" التي تملكها على تلك التي عند السيسي، فإنها تستطيع ببساطة أن تطور قدراتها.

الخوف الكبير على برقة وليبيا قاطبة ليس من تركيا فقادتها منتخبون ولها برلمانات ومعارضة ورئيسها عاقل إنما الخوف من دولة طامعة مثل (مصر السيسي).

الكلمة الفصل للاقتصاد

كما يقال من جاور السعيد يسعد، فإن (أطماع) تركيا كما يسمونها أو لنقل مصالحها، معروفة في ليبيا، فهي حددتها بوضوح، تريد نفطا وغازا (طاقة)، وتريد أسواقا وتريد رفع التبادل التجاري مع سوق واعد مثل ليبيا، والعالم كله يراقب، ولا تستطيع وهي الدولة التي تقدم أنموذجا للتنمية والقفز نحو فضاءات كونية بسدادها ديونها بالكامل عام 2013 التي تسبب فيها العسكر، وهي تقريباً نفس ديون مصر ثم دخولها مجموعة العشرين G20 وهي تضع العام 2023 كعام تدخل فيه مجموعة أقوى عشرة اقتصادات في العالم (G-10)، وبذا هي دولة ستبني لتعطي نموذجا مشرفا عنها، وقد فعلوا وأرسلوا وفداً كبيراً يضم ماليين واقتصاديين إلى طرابلس لاستكمال مشاريع تعاقد معهم القذافي عليها، وبناء مطار طرابلس بسعة 15 مليون مسافر وميناء ومنطقة حرة، وبالتأكيد في مجال إنتاج النفط، وربما إن وافقت أميركا قد تترك لها حتى ترميم البنية التحتية المتهالكة السيئة من آبار وأنابيب وخزانات وموانئ ومطارات وخلافه.


ليبيا يفترض أن تكون حصتها في الـ"أوبك" على الأقل مليونين ونصف مليون بالنظر لاحتياطيها المؤكد، ولن تقدر ربما لعام كامل العودة لقدرتها الإنتاجية الحالية (1.5 برميل) لظروف التوقف، ما لم تساعد على ذلك دول كبرى مصنعة في مجال النفط.

أما مصر فلا نعرف ما الذي تريد، فهي لم تصرح به واكتفت بالقول، إنهم لا يريدون شيئاً من ليبيا، اللهم إلا المحافظة على أمنهم القومي، وهل من عاقل يصدق ذاك! ثم إن مصر في مجال النفط والغاز ليس لها قدرات، بل إن ليبيا أفضل منها.

شركات تركيا في مجال البناء والتشييد التي تعد اثنتان منها من بين أكبر أربع شركات في العالم في مجال الإلكترونيات غزت منتجاتها أوروبا وفي مجال الألبسة كذلك، بل إنها أطلقت قمرا صناعيا تركيا خالصاً، وتصنع الآن حاملة طائرات تضاهي الأميركيات وهي مشهورة بأساطيلها منذ قدم التاريخ.

الدول لا تبنى بالعواطف والأحلام العبيطة البلهاء، وبيانات القيادات الشعبية التي تعجز عن قيادة وإدارة بيوتها، والتي تذكرنا بعهد العقيد، وإنما بالواقعية ومعرفة إمكاناتنا وما نملك وما نستطيع فعله والتخطيط الجيد.

تركيا ومصر مهمتان وتربطنا بهما علاقات تاريخية ولو كان الخيار بين تركيا وبريطانيا، فإن الأفضل هي تركيا، لأنها في نفس مستوى الجودة تقريبا مع رخص السعر عند تركيا، إلا أنه من الضروري أن تخلق مساحة كبيرة للسوق الإنكليزي حتى تربطنا علاقة مصلحة قوية تجعل من بريطانيا أكثر حرصا عليها منا فتصونها.

لو كانت المقارنة بين تركيا والصين مثلا، كون الصين من أرخص الدول، أيضاً فالخيار هو تركيا لأن المنتجات الصينية ليست بالجودة المطلوبة، مع إبقاء الباب مفتوحاً على مصراعيه للصين، حيث إن الرخص أيضاً مطلوب في بعض التعاملات.

في العمالة، تعطى دول الجوار أولوية وعلى رأسها مصر لأسباب يطول شرحها، عموما إن صحت و(تعافت) ليبيا سوف يتعافى كل جيرانها، الذين باتت طرقهم الآن مسدودة، وضاقت بهم السبل بحيث يخلق لهم أسواقاً في المجالات الحرفية والمهنية والتجارة البينية والعمل في المقاولات تحت إشراف ليبيين، وفي الصيانة والعمل يؤتى بالمزارعين والرعاة والصيادين والعمالة العارضة (مقننة)، إضافة إلى استيعاب ذوي الشهادات والكفاءات بشرط اجتيازهم لاختبارات (صارمة) تثبت جودتهم، فليبيا تحتاج مثلاً إلى أطباء، رغم وجود حوالى 7 آلاف طبيب ليبي حول العالم، وتحتاج أساتذة جامعات، رغم أن ليبيا حاليا متخمة بهم، وتحتاج إلى أساتذة مدارس ومهندسين وإعلاميين ومثقفين وخبراء وغيرهم، لأن ليبيا التي نراها ونحلم بها ليست ليبيا ذات الستة ملايين الذين يتناقصون (يومياً) بل ستكون أكثر من 35 مليونا في بضع سنين.