فائزون غير متوّجين

الصورة
هل يمكن أن تكون المصادفة الزمنية ضمن مقاييس بروز أي رواية جيدة؟ ما الذي يجعل عملاً ما يفوز هذه السنة، ولا يفوز في سنة أخرى، أو لا يفوز بجائزة، ولكنه يظل متبوعاً بشغف متجدّد للقراءة؟ ثمّة روايات لو قدّر لها التقدم لأي جائزة في دورات غير التي شاركت فيها، لربما بعثرت الأوراق والحسبة، نظراً لثرائها الحواري (بالمعنى الباختيني للكلمة). وبالتالي أي روايةٍ محتشمة فنياً لن تصمد مع الوقت، حتى وإن فازت بجائزة. وفي المقابل، هناك رواياتٌ وجدت طريقها آجلاً، واحتلت مكانةً مهمةً في قلوب القرّاء، وأحياناً من خلال أجيالٍ مختلفة، كما حدث مع رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي ترجمت إلى مختلف لغات الأرض. وكما حدث لاحقاً مع رواية العُمانية جوخه الحارثي "سيدات القمر" التي لم تصعد إلى أي قائمةٍ من قوائم جائزة بوكر العربية، فظلت مركونةً، في طبعتها الأولى، قرابة عشر سنوات، إلى أن تجدد اكتشافها عبر اللغة الإنكليزية، أي عبر لغةٍ لم تكتب بها، إنما وفدت إليها ضيفاً مرحّباً به وبحرارة. ويمكن أن ينسحب هذا الأمر على روايات عديدة صعد بعضها إلى القوائم الطويلة، ولكنها لم تلامس زمنها بعد، فتعثرت في الصعود إلى القائمة القصيرة أو الفوز.
رواية اللبناني جبور الدويهي "ملك الهند" (دار الساقي، بيروت، 2019)، والتي كانت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر 2020 توفر متعة للقارئ من دون توعر، لما تمتاز به من خبرة في صياغة العبارة، ومن تصويرٍ تقطيعيٍّ للمشاهد، وتعالٍ عن الشرح والإنشاء، وذلك عبر لغة بسيطة، ولكنها تبطن مختلف المشاعر، لتجعل قارئها متعلقاً بتلابيبها حتى النهاية.
تذكّرنا الرواية، في بعض جوانبها، برواية الطيب صالح، كما يمكن أن نتلمس فيها شيئاً من رواية ماركيز "مائة عام من العزلة". لا علاقة لعنوانها بأجوائها، وقد اختاره الكاتب ربما كلعبة داخلية، في سياق الانسجام مع جو المخاتلة والحيرة، وهي حيرةٌ ستلاحق قارئ الرواية في البحث عن من قتل بطلها زكريا مبارك، العائد من فرنسا بلوحة "عازف الكمان الأزرق" للفنان الروسي شاغال، والتي لا تقدّر بثمن.
ولكن، لماذا تذكّرنا "ملك الهند" بروايتي الطيب صالح وماركيز؟ لأن "موسم الهجرة إلى الشمال" تصبّ في خانة الروايات ما بعد الكولونيالية بامتياز، وهي عن شابٍّ يذهب إلى الغرب المستعمر، وينتقم بطريقة عجيبة، حيث يُجري أكبر كمية من العلاقات مع النساء الإنكليزيات، معتمداً على سُمرته ووسامته، ليكتشف، في النهاية، بأنه لم يكن سوى ضحية بائسة تم استعمارها بطرق ناعمة. الحال نفسه بالنسبة لبطل رواية "ملك الهند"، زكريا مبارك الذي يذهب إلى فرنسا، ويعيش هناك غزواتٍ لا حدود لها مع الفرنسيات، تكون إحداها سبباً في قتله، حين يسرق من الشابة "ماتيلد، سليلة الحسب والنسب" لوحة شاغال. ثم يعود إلى بلاده، وقد اطمأن إلى أنه سيجني مبالغ طائلة تغنيه عن ضياع الهجرة، بعد أن اتفق في فرنسا مع شخصٍ يشتري منه اللوحة، ويسلمه المبلغ في لبنان، ولكنه يُقتل بصورة غامضة في بلده. وتذكّرنا الرواية بـ"مائة عام من العزلة"، لما تتوفر عليه من طباقية زمنية، حيث تجتمع فيها حياة عدة أجيال في نسق كتابي واحد، بداية من حياة الجدّة الأولى فيلومينا التي تهرب إلى أميركا، وتمتهن التجارة معتمدةً على شطارتها في بيع رمل وأدوات تدّعي أنها مقدّسة جاءت بها من القدس، وحين تعود تورث ابنها جبرائيل بيتاً ومزرعةً ووهم أنها دفنت ذهباً تحت أساسيات ذلك البيت. ثم الحياة الصاخبة للأبناء والأحفاد وصراعهم في البحث عن هذا الوهم الذي يكون أحد أسباب اتهام أبناء عم زكريا مبارك له بالاستحواذ على حقوقهم من الميراث.
وعلى الرغم من حجمها المحدود (191 صفحة) إلا أن الرواية تلخّص مختلف الصراعات اللبنانية وتختزلها، من خلال نموذج قرية "تل صفرا" التي يستخدمها المؤلف خلفية وفضاء للصراع فيها، والذي أتقنت الرواية تحويله من تشظيّات خبرية جامدة إلى قطعة أدبية ممتعة.
تعليق:
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي