غوته.. قبل أن يكون الاستشراق

06 اغسطس 2015
الصورة
غوته في عمل فني لـ آندي وارهول (1982)
+ الخط -

حظي "الديوان الشرقي للشاعر الغربي" بترجمات عربية عديدة، حتى إنه يعدّ سبباً من أسباب اهتمام العرب بالأدب الألماني، وخصوصاً الكلاسيكي منه، فهو مثل مرآة عكست آدابهم في عقل ووجدان أبرز شعراء ألمانيا وأشهرهم، يوهان ولفغانغ غوته (1749-1832).

من جهة أخرى، كان مترجمه، المفكر المصري الراحل، عبد الرحمن بدوي (1917-2002) داعية لمثل هذه الالتفاتة تجاه ألمانيا، وهو الذي انتقد مراراً هيمنة الأدبين الفرنسي والإنجليزي على الذائقة العربية.

لم يأت التجاوب العربي مع مؤلف غوته من فراغ، فهو من الأعمال القليلة التي سلمت من "تشويه الشرق" أو ما صار يعرف بـ "الاستشراق" منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، حين طوّره إدوارد سعيد في مفهوم متداول. لكن، ولكي نقرأ "الديوان الشرقي"، علينا أن نعود بالاستشراق إلى ما قبل أن تتكدّس داخله المفاهيم وكذلك النوايا السيئة، أي حين كان مجرد نزعة تدفع بمثقفين لاكتشاف الآخر.

وكأن "الديوان الشرقي" هو اليوم مؤكد نظريات الاستشراق ومفندّها في آن. فمؤلف "فاوست" تحلى ببساطة بروح منفتحة على الشرق قلّما عرفها "الرجل الأبيض" من قبل ومن بعد.

لكنه يثبت أن الاستشراق سرعان ما انقسم إلى استشراقين: أحدهما استعماري والثاني استكشافي. ولعل الهوية الألمانية لغوته ساهمت في تناوله الإيجابي للشرق، وهو ما يتميز به أيضاَ مستشرقون آخرون، مثل الروسيين ليو تولستوي ونيكولاي ريمسكي كورزاكوف، مؤلف سمفونية "شهرزاد".

أما الاستشراق الآخر، فقد تجسّد مع الفرنسيين والإنجليز. ويجري تفسير ذلك الانحراف الذي حصل للاستشراق بالنزعة التوسّعية لدى هذه الأمم، وبالتالي كان لا بد لأدبائها من أن يروا الشرق كمساحة اكتساح، لا كمساحة اكتشاف.

غوته أصرّ على محاولة اكتشاف نفسه عند الآخر الحضاري. ذهب إلى الشرق مثل حاج، وكتب عن تأثره بحافظ الشيرازي في صفاء حكمته، وبالمتنبي في تجواله، وبأبي نواس في مرحه اليائس. بعد ذلك، سيحوّل غوته الشرق إلى أنيس شيخوخته، فكان مفهوم "الطمأنينة" الذي انبهر به هو مقابل المغامرة المجنونة التي خاضها عند كتابة "فاوست".

أصيب غوته بـ "هوس الشرق" منذ أن قرأ ترجمة ألمانية لأشعار حافظ الشيرازي. وقتها قرّر أن يأتي، عبر القراءة والرحلة ببهارات الشرق إلى نصوصه. غير أن الأمر اقتضى منه قرابة العقدين، حتى تكتمل الأشعار المكوّنة للديوان في صيغتها الأولى التي ظهرت بين 1814 و1819، ثم ظهرت النسخة الموسعة والنهائية في 1827، وكان هذا العمل آخر مؤلفاته الشعرية.

يحتوي "الديوان" على أشعار يمكن لقارئ عربي أن يعرف بسهولة مراجعها العربية أو الفارسية. ثمة نقطة لفتت انتباه قرّاء العمل وزادته قيمة، وهي تلك التعليقات التي كان غوته يضعها أثناء الكتابة ليفسّر "لنفسه" (كما يقول) تاريخ أدب الشرق.

يتكوّن "الديوان" من 12 باباً هي: كتاب المغنى وكتاب حافظ وكتاب العشق وكتاب التفكير وسوء المزاج وكتاب الحكمة وكتاب تيمور وكتاب زليخا وكتاب الساقي وكتاب الأمثال وكتاب البارسي وكتاب الخلد.

يقال في ألمانيا إن "أحداً لم يكن ليصدّق غوته لولا الديوان الشرقي". يقال ذلك على خلفية معارضته الروح البروسية العسكرية التوسّعية، ولم يكن أحد يصدّق أنه بلا مصالح إزاءها، وكأنه اختار أن يبرهن على صدق قوله من خلال قبوله وحسن تأثّره بأكثر ما يضاد حضارته.

لا زال غوته بهذه المعاني معاصراً، بل إن الشرق اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى أن يسترجع روح ديوانه. لقد كتب مترجم عربي آخر لغوته، هو عبد الغفار مكاوي، قائلاً "كان يأمل لو يستطيع من خلال الشعر أن يوحّد بين الشرق والغرب وينسج منهما العالم". إنه غوته الذي انطلق من قناعة صاغها في بيت يقول "الشعر يستطيع دائماً أن ينقذنا".

المساهمون