غليون على شفاه باردة

01 سبتمبر 2019
بقدر السهام التي أُطلقت خلف روبن هود، وهو يركض في الظلام حاملا الطعام للمساكين، تطاردنا الذكريات حُبلى تبحث عن أُبوَّة مزيفة لبناتها العجائز، يوم شاخت عزائمنا في مشيب الخطى وفَتر وجهها الفجّ راحلا في الزمن الطويل حتى تركتنا أو تركناها تبتعد إلى الأمس الغابر.
مثل كثيرين، أطلب الوحدة كثيرا، وأُلح عليها كي تمنحني برقعها الرخيص حتى أمد عليه ظهري المتعب وأعتصر مخيلتي، لعلها تأتيني من حضن الأمس بذكرى أربّيها فوق كفّي وأعلقها تميمة على صدري النحيل، آملا أن لا تضيق يوما وتخنقني لإهمالي أخواتها الأخريات.
الأمس ابتعد عنا كثيرا، والذاكرة خضّبت سوالفها البيض بسواد الغياب الذي سكن بيننا ودفعنا بعيدا عن منبته المر، وعلا واستكبر وقال إني من الظالمين، وصار جدارا يطاول أعناق السماء ويسدُّ النفس عن كل سَكنٍ إلى الماضي ويخنق فينا الحنين قبل أن يحبو إلى ضرع الطفولة التي لفظتنا كبئر عميقة ملأها المطر ماءً ففاضت بما فيها من أشياء قديمة وقصص خجولة خُبّئت لزمن آخر.
كأسُ أمسي وكأسي تُقرعان على ناصية الذاكرة كل مساء، والنّخب قد أسررناه كي لا نزعج نوم الطفل داخلنا أو نوقظ الوجع، إذ كثيرا ما انتظرنا بريق الفجر علّه يعجل بكأس ثانية تُسكر صحوة الروح فينا، ولنا في ذلك وعد، فحتى الحمام الذي فزع لقرع الكؤوس وطار، ما زال يرفرف إلى اليوم دافعا نسيم الحنين بعيدا، حيث يرفل شذى الماضي في النفوس التي بقيت هناك تنتظر الغد.
للماضي كلاب شرسة تترصدنا منبعثين من الحانات الضيقة أو عائدين من لقاء عقيم، فتبطحنا أرضا وتنهش الجلد والعظم والذاكرة وتركض بعيدا إلى سيدها الأول الذي يراقب دمنا الجاري من بعيد، نرفع كفوفنا ملوّحين لأحبابنا الغائبين المعلقين تمائما على صدره العاري فلا يجيبنا إلا الفراغ، بفظاظة، كأنه مراهق تربّى في شوارع نابولي.
الرّوح تطلب الماضي والغد يطلبها ولا نهاية منصفة لذلك، غير سَكن مؤقت للوجع حين يغمض الجفن في الليل البهيم، لتعاودنا الصراعات من الغد، ويتحرك فينا الموج الساكن باحثا عن مرسى لغضبه المخيف، فنهبه مهد البراءة ليربي فيه ما يشاء من السوء، إذ نفضناها بعيدا وتركناها على أعتاب المدى تمص إبهام القبح، ولم نأبه لما آتيناه من ظلم مقيت.
صُوِّرَتْ لنا الغاياتُ صبايا فاتنات، فَردْن شعورهن على جوانب نهر طويل واغتسلن، فركضنا تلقاءهن، يسبقنا لعاب الحسّ ويسوقنا ريح الهوى، حتى هوينا في فجّ عميق رسمته أيام السوء قبرا لأحلامنا البسيطة، فسقطنا إلى العدم وانتظرنا قابرنا هناك، حتى مرت الأيام خيالات مبعثرة ولم تقبُرنا بتربة النهاية، وارتحلت بعيدا، فضحكنا بصمت وهمسنا في أذن الأرض أنَّا خدعنا الزمن.
الزمن خدعة، وضحكات انتصاره تنبش في عمق أفكارنا وتعيدها دحرجة إلى عُش اليأس، ليمكث فوقها حتى تفقس الخيبة غربان سودا أو بوما ينعق فوق سارية الحلم، ولهذا نستيقظ خائفين في عمق الليل.
كشيخ يدخن غليونه على أعتاب الموت، ينفخ الزمن سحائب اليأس في وجه أحلامنا الطامحة، ويعيد عزمنا إلى البدايات ويزحم غدنا كي لا يتنفس فجرنا بازغا من رحم الليل الطويل، فنفنى أحياء.
سندرك الموت أو يدركنا، وستنتهي بذلك كل الصراعات الحامية داخل عقولنا المنهكة، وسينبت الفجر أعنابا تطلب قطافها ليعتصرها الغد كؤوسا تروي عطش السنين في أرضنا اليابسة، ويضع الزمن مجددا غليونه على شفاهه الباردة، ويدخن إلى ما لا نهاية.
تعليق: