غليان المناطق المحرومة في تونس: احتجاجات القصرين نموذجاً

21 يناير 2016
الصورة
تُذكّر الاحتجاجات ببداية الثورة التونسية (كريستوفر فورلنغ/Getty)
+ الخط -


تُنذر حالة الاحتقان الاجتماعي التي تعيشها المناطق المحرومة في الشمال والوسط والجنوب الغربي لتونس عموماً، بعودة الغضب الشعبي إلى الشارع التونسي، والذي بدأت معالمه في الاحتجاجات التي شهدتها مدينة القصرين وسط غرب تونس، في الأيام الأخيرة، بسبب الوضع الاجتماعي المتردي الذي دفع بعدد من الشباب اليائس للاحتجاج بطريقة أدت إلى موت أحدهم، قبل أن يعود الهدوء النسبي إلى القصرين، أمس الأربعاء.

وعرفت الاحتجاجات التي شهدتها القصرين ومدن قريبة منهاً، تصاعداً مفاجئاً، عكس حالة الاحتقان الاجتماعي التي تعيشها المناطق المحرومة، وأعادت إلى الأذهان مشاهد أواخر العام 2010 عندما اندلعت الثورة التونسية ووصلت ذروتها في هذه المناطق. وقامت الاحتجاجات بعد أن لقي شاب عاطل عن العمل حتفه، إثر سعيه للاحتجاج على إقصائه من قائمة الموعودين بوظيفة مثل زملائه الحاصلين على شهادات. فقام الشاب بالصعود إلى عمود كهربائي، فاحترق كما احترق محمد البوعزيزي، بعد خمس سنوات من الثورة التي لا تبدو أنها غيّرت شيئاً في وضع تلك المنطقة.

وتبعت ذلك احتجاجات على الرغم من إقالة نائب المحافظ المسؤول عن الملف، فحاول شابان الاحتجاج بطريقة مماثلة، وسقط أحدهما من أعلى جدار ليُنقل مصاباً إلى المستشفى. وسرعان ما عمّ غضب الشباب والأهالي أرجاء مدينة القصرين، ودخلوا في مواجهة مع الأمن. وأعلن المدير العام للصحة في القصرين عبدالغني الشعباني أنه تم تسجيل 20 إصابة في صفوف المواطنين وصفها بالطفيفة، أغلبها حالات اختناق بالغاز المسيل للدموع، إضافة إلى 3 إصابات بجروح في صفوف الأمنيين والعسكريين، جراء المواجهات في ولاية القصرين التي استمرت لثلاثة أيام. وقال الشعباني، لوكالة الأنباء التونسية، إن المصابين ومن بينهم الشابان اللذان حاولا الانتحار الثلاثاء، تلقوا الإسعافات وغادر عدد منهم المستشفى.

وفي الأثناء، احتج مواطنون أمام مقر وزارة الداخلية في العاصمة تونس، دعماً لأهالي القصرين، ورفعوا شعارات ضد الحكومة. غير أن الاحتجاجات امتدت إلى مدن أخرى، فقد حصلت مواجهات بين القوات الأمنية ومحتجين في مدينتي تالة وفريانة من محافظة القصرين، تماماً كما حصل أيام اندلاع الثورة وإن بترتيب مغاير بين المدن.

اقرأ أيضاً: 5 سنوات على الثورة التونسية: استحقاقات ناجحة وهواجس

وغير بعيد عن القصرين، شهد الإضراب عن الطعام الذي ينفذه معتصمو التربية في قفصة من حاملي الشهادات الجامعية منذ 16 يوماً، تطوراً مهماً أمس، إذ التحق أولياء المضربين لمساندة أبنائهم المطالبين بتوفير فرص عمل، وخرجوا معهم في مسيرة احتجاجية باتجاه مقر المحافظة. وقالت تقارير إعلامية إنه تم تسجيل تدهور مستمر في الحالة الصحية للمضربين عن الطعام، ونُقل بعضهم إلى المستشفى لإسعافهم. وحاول المحافظ إقناعهم بالتراجع عن الإضراب المتواصل منذ أكثر من أسبوعين، على الرغم من اعتصاماتهم المتكررة منذ حوالى سنتين.

وبالتوازي قام شباب في مدينة المكناسي وبوزيّان في محافظة سيدي بوزيد، مساء أول من أمس الثلاثاء، بقطع الطريق عبر إشعال الإطارات المطاطية للمطالبة بالتنمية وتوفير فرص العمل.

هكذا يبدو المشهد العام في هذه المدن التي بدأت تفقد صبرها، بعد انتظار دام خمس سنوات، وعلى الرغم من أنه مشهد اعتاد عليه التونسيون، خصوصاً من قِبل الشباب العاطل عن العمل، إلا أن الأمر يبدو مغايراً هذه المرة، إذ تتزايد خطورته وتنبئ بتطورات أكبر إذا لم تفلح الحكومة سريعاً في إيصال رسائل إيجابية حقيقية إلى هذه المدن اليائسة.

يُذكر أن القصرين وحدها يوجد فيها 28 ألف عاطل عن العمل، من بينهم 9 آلاف شاب يحملون شهادة عليا، وفق تأكيد النائب في البرلمان عن المنطقة وليد البناني، الذي عقد مع زملائه ممثلي المنطقة في مجلس النواب جلسة طارئة مع رئيس المجلس محمد الناصر، تمّ خلالها الاتفاق على زيارة وفد من النواب السبت المقبل إلى القصرين، للاجتماع بالأهالي وتحديد المشاكل والبحث عن حلول لها. ويبدو أن اجتماعاً ثانياً سيُعقد مع رئيس الحكومة الحبيب الصيد، لبحث توفير فرص عمل بشكل سريع.

وأعلن الناصر كذلك عن استدعاء الصيد لجلسة عامة مخصّصة للنظر في برنامج الحكومة بخصوص معالجة البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا. غير أن هذه القرارات تبدو غريبة في صياغتها والإعلان عنها، فمشاكل القصرين، والمناطق المماثلة، معروفة للجميع، وهي التي كانت وراء اندلاع الثورة، وبحثتها الحكومات المتعاقبة منذ خمس سنوات، وحذّرت أطراف كثيرة من عودتها، ونبّهت إلى أن صبر الناس هناك لن يكون أبدياً وسينفذ.

ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في تغيير الأوضاع ولو نسبياً، وإن كانت تلك الحكومات مؤقتة واستثنائية ولا تملك القدرة على وضع برامج استراتيجية بإمكانها تغيير الوضع جذرياً، وفق قولها، لكن الحكومة الحالية دائمة، وبدأت عملها منذ أكثر من عام، ولكنها فشلت أيضاً كسابقاتها في تحويل اليأس إلى أمل، وصياغة خطاب مشجع وبرامج قادرة على تغيير جزء من الحياة الصعبة هناك، خصوصاً في هذه الفترة من العام، حيث تشتد البرودة إلى درجة لا تطاق، وتتزايد معاناة الأهالي بعد قطع الطرقات جراء الأمطار والثلوج.

وعلى الرغم من أن هذه المناطق هي خط الدفاع الأول أمام الخطر الإرهابي المتنامي في جبل الشعانبي، إلا أنها لم تحظَ بأي لفتة حقيقية لتغيير أوضاعها، وبقيت مفتقدة لأبسط مقوّمات العيش البسيط. غير أن هذه المناطق بقيت صامدة منذ عقود، ولكن يبدو أن أهلها بدأوا يفقدون الصبر من الممارسة السياسية التي تصرّ على إرسال رسائل سلبية متتالية إلى التونسيين وتفقدهم الثقة في الطبقة السياسية عموماً والحكومة خصوصاً. فمع الخلافات التي تسيطر على المشهد في حزب "نداء تونس"، الذي وعد الناس بحل مشاكلهم ووصل إلى الحكم نتيجة لذلك، تتضاءل آمال التونسيين بحل مشاكلهم ويعود الواقع اليومي ليفرض نفسه، وهو ما ينذر بعودة الغضب إلى الشارع، الذي تبرز مخاوف من أن يكون أكبر مما شهدته أيام الثورة الأولى.

اقرأ أيضاً: تونس: فرض حظر التجول في القصرين بعد تصاعد الاحتجاجات

المساهمون