غسان كنفاني في ذكراه: الكاتب محرّراً

20 يوليو 2020
الصورة
غرافيتي لغسان كنفاني في "مخيّم الدهيشة"، بيت لحم

صاحبَ ذكرى استشهاد غسان كنفاني الثامنة والأربعين في هذا العام، وفي هذا الشهر تحديداً من عام 1972، اهتمامٌ واسع رأى فيه بعضٌ ممن كتب اهتماماً غير عادي، وحاول الجميع تفسير بقاء أعماله وذكراه حاضرة. فمنهم من قال إن السبب يكمن في كونه "رائداً"، ومنهم من أرجع الأمر إلى "عبقرية" أدبية لا علمية، وبعضهم أرجع الأمر إلى ما أطلق عليها "أصالته". بينما انصرف آخرون، سواء من كتب منهم في صحيفة أو خطب في تجمّع، إلى إعلام القرّاء والمستمعين بأنهم سبق أن التقوا بغسّان وسمعوا منه رأياً في هذه القضية أو تلك. وفي كل هذه المراجعات على وجه التقريب، لم يقترب أحد من أكثر خصائص أدب غسان الإبداعي أهمية، ألا وهي فعالية كتابته التي هي في حالته الفلسطينية فعالية محرِّرة لمخيّلة الإنسان ووعيه من شتى أنواع المستعمرات التي تتوازى عادة مع، أو تسبق، إقامة المستعمرات على الأرض.

الفنان المحرّر، سواء كان روائياً أو تشكيلياً أو شاعراً أو موسيقياً، ظاهرة عرفتها كل الثقافات على وجه الأرض منذ عصر الرسم والتلوين على جدران الكهوف، حين كان الرسام يحرّر البدائيين من خوفهم من مواجهة الوحوش، وحتى العصر الراهن بتقاناته المتنوعة تنوعاً هائلاً. ولم تفتقر الثقافة العربية إلى نماذج معبّرة عن هذه الظاهرة في شتى المجالات الفنية والفكرية، ظاهرة الكاتب أو الفنان الذي يوقظ الجمهور من غيبوبة يوقعه بها سياسيٌّ مشعوذ أو محتطبُ أفكارٍ بليل، أي يحرّره من الخرافة أوالقوالب الذهنية التقليدية، أو الصور الوهمية الشبيهة بالخيالات التي يراها سجناء كهف على جداره، فيتصرّفون ويعيشون ويتحدثون عنها كما لو أنها الواقع القائم خارج كهفهم.

شهد العام اهتماماً خاصاً بذكرى استشهاد كنفاني وأدبه 

ولدينا في هذا المجال دائرة تتسع لأسماء عديدة، أكثرها شهرة في زمننا الراهن ناجي العلي الذي ضحى بحياته في سبيل أن يبقي شعبه مفتوح العينين على اتساعهما حتى لا يسقط في حبائل منتحلي ألقاب أبطال وساسة وقادة وزعماء. وهناك أيضاً علماء ومفكرون ممّن يمنحهم بعضهم لقب المنوّرين، بينما هم جديرون بلقب المحرّرين الأكثر دقة واتساقاً مع مهمات الإنسان العربي في الزمن الراهن، شأنهم في ذلك شأن المقاتلين في ساحات المعارك، لا بصفتهم فقط حاملي شهادات علمية أو عباقرة وما إلى ذلك. 

السؤال، لماذا الاهتمام غير العادي بغسان في ذكراه، مشروعٌ ومبرّرٌ تماماً، ولكن بدت لنا الأجوبة التي اطلعنا عليها وسمعناها، في حالة غسّان بالذات وجهده الأدبي والفكري، تغميساً خارج الصحن. لأن إغفال مغزى منجزه الحقيقي، أي مكمن سحر رواياته، أعني كونه منجزاً يحرّر وعي القارئ، وهي مهمة جليلة تحتاج إلى وعي يجلّها ويتابع مسارها في الحياة الواقعية لشعب ضلّلوه وأخذوه إلى شعاب شتى، بدلاً من التغني بما يسمى "العبقرية" و"الريادة" و"الأصالة"، والغرق في ما أطلق عليه حتى فيلسوف نفعي مثل الأميركي جون ديوي "التصوّر الانعزالي للفن".

الأكاديمي إحسان عباس لديه لفتة نادرة، ربما هي اللفتة الوحيدة إلى هذه الخاصية المحرّرة، في الثقافة العربية والفلسطينية منها بخاصة، إلى أدب غسّان، حين كتب في تقديمه للجزء الأول من أعمال غسان الكاملة (1972) عن قصته الشهيرة "رجال في الشمس": "لو أننا اتخذنا شخصية أبو الخيزران مدخلاً لفهم هذه القصة لما تعذّر علينا أن نرى فيها رمزاً للقيادة الفلسطينية في بعض الظروف التي مرت بها القضية، وهي تؤدي دوراً "قاتلاً" مغرّراً خادعاً ومخدوعاً قائماً على المداورة والمراوغة والكذب، كأنها في ذلك شأن "المهرّبين الآخرين" ممثلي القيادات العربية الأخرى".

وهنالك لفتة أخرى من الشاعر محمود درويش تقترب من معنى "فعل الكتابة" المحرّرة لدى كنفاني، إلا أنه أشار إلى بحوث غسان الأدبية وتجاهل قصصه ورواياته. جاء في هذه اللفتة: "لعل المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد لجهة النأي عن الفلسطيني المجرّد، والاقتراب من الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته، ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف ماهية الصهيوني الذي يواجهه".

كتابة تحرّر مخيلة الإنسان ووعيه من شتى أنواع الاستعمار

وتماثل هذا الكلام لفتاتُ أقصى ما أدركه كتّابها من فنّ غسّان الروائي، وهو أنه "تناول مواضيع النضال والتحرر الفلسطيني"، مغفلين أنه لم يكن يتناول "مواضيع" شأنه شأن أي كاتب، بقدر ما كان فعل الكتابة لديه مساهمة في تحرير الوعي، مثلما هي مساهمة "المحارب"، الذي ابتكر الفلسطينيون له تسمية "الفدائي"، في تحرير الأرض.  

صحيح أن هناك مجالاً في منجز غسّان الروائي والقصصي يسمح بتناول جوانب أخرى غير هذا الجانب الذي يتعلق تحديداً بتحرير وعي الإنسان الفلسطيني في وقت لم تكن قد بدأت فيه بوضوح زراعة المستعمرات الصهيونية في دماغه بذرائع مضلّلة مثل "السلام" و"الدولة على حدود 1967" و"يا وحدنا!"... إلخ، إلا أن هذه الجوانب، المهارات التقانية والمخيلة الخصبة والريادة والأصالة والتفرد... وما إلى ذلك، لم تكن لدى غسان منعزلة عن جسم عمله الروائي، وغايته التي يسعى إليها بحسبان أن كتابة كتابٍ، كما قال أحدهم، تعني القيام برحلة قد لا تكون نهايتها كما كان التوقع في بدايتها، إلا أنها سعي إلى غاية كما هو سعي القارئ أيضاً.

ولنأخذ مثلاً رواية "ما تبقى لكم" (1966). في هذه الرواية نجده يستخدم تقانة ما يسمى "تيار الوعي"، ويتنقل بين الأمكنة والأزمنة، ويبتعد عن أسلوب السرد التقليدي المتسلسل، لأنه يعي ربما أن الإلمام بواقع التشظي في تجربة الإنسان الفلسطيني يقتضي هذه المراوحة بين الأمكنة والأزمنة، ولكنه وهو يكتب بهذه الطريقة لا يحوّل اللغة إلى "رغوة" (ألفاظ دالة بلا مدلول)، ولا يلجأ إلى اختراع عوالم خرافية مما نعهده في قصص الخوارق والأساطير، بل يُبقي قارئه في العالم المألوف، إلا أنه عالم يكتسب دلالة جديدة تجعله أعمق مما نألف، عالم واقعي يذكّر بما كتبه الفرنسي روجيه غارودي في أطروحته المبهرة "واقعية بلا شاطئ" (1965) المترجمة إلى العربية تحت عنوان "واقعية بلا ضفاف". 

غسان كنفاني يليق به لقب الكاتب المحرّر، شأنه في ذلك شأن المحارب أو الفدائي، بدليل فعالية كتابته واستشهاده في معركة عنوانها تحرير الوعي الإنساني من الأضاليل، سواء كانت أضاليل مصدرها المستعمرين الغربيين، أو كلاب صيدهم المحلّيين، أو قاعدتهم الصهيونية على أرض فلسطين. ولعل من المناسب هنا تذكّر ما فعله المخرج السينمائي الروسي غريغوري كوزنتسيف حين أبرز في نهاية فيلمه (1964) المقتبس عن مسرحية "هاملت" الشكسبيرية مشهد الموكب الجنائزي العسكري الذي شيّع فيه "هاملت" إلى مثواه الأخير. وجاء هذا التكريم على اعتبار أن هذه الشخصية كانت محاربة أيضاً، ولكن على صعيد الوعي والإدراك.

في هذا المشهد الختامي يصدر قائد الجيش فرتنبراس أمره:
"ليحمل أربعةٌ من القادة
هاملت مثل جنديّ إلى المنصة
لأنه ربما لو أتيح له خوضَ حرب
لأبلى بلاء الملوك، ومن أجل انتقالهِ،
من أجلهِ، اصدحي يا موسيقى الجند وشعيرة الحرب
عالياً
ارفعوا الأجسادَ، مشهدٌ مثل هذا
خليقٌ بساحة معركة، إلا أنه هنا في المكان الخطأ
اذهبْ ومُر الجنودَ بإطلاق المدافع".

هل يمكن إعادة تنظيم منجزات الماضي الأدبية ومختلف أنواع البصائر المعرفية في زمننا الراهن في ضوء هذا المفهوم، مفهوم الأدب المحرّر، على صعيد النقد الثقافي؟ نعتقد أن هذا ممكن وضروري. فهو بالإضافة إلى أنه يلفت الأنظار إلى خاصية ثقافية تكاد تكون مطمورة، إن لم تكن سجينة تقاليد كتابية خارج الزمن، سيثير الرعدة في أوصال أكثر من جنرال من جنرالات هذه التقاليد وأولياء أمورهم.