غزّة.. حكاية مقاومة
يرى المتابع لما يجري على أرض غزة قتلاً وتدميراً وتشريداً للأهالي، لكن المتفحّص يرى تقدماً واضحاً للمقاومة، وعجزاً بيّناً للصهاينة، على الرغم مما يتوفر لهم من أسباب القوة والعتاد.
ومن متابعة تحركات المقاومة الفلسطينية، تجدها تنتهج أسلوب حرب عصابات ذكياً جداً، ويلائم طبيعة الجغرافية الغزاوية، فتعمل تشكيلات المقاومة كأنها أجزاء من جسم واحد، له هدف واحد، هو مواجهة الاحتلال الصهيوني، لكنها متجزئة بالمعنى الميداني، وليست متمركزة كما تفعل الجيوش النظامية. تكتسب المقاومة، بهذه السمات، أهم مزايا الجيش النظامي، وهي وحدة الهدف وقوة التنظيم، وتكتسب، أيضاً، أهم مزايا حرب العصابات، وهي سرعة الحركة والقدرة على التخفي.
يملك جيش الصهاينة أقوى المعدات العسكرية في العالم وأحدثها، والتي تمكنه من الانتصار على أي جيش آخر، من خلال استهداف قواته ومواقعه الاستراتيجية، إلا أن المقاومة لا تمتلك مواقع استراتيجية، بادية للعيان، وقواتها ليست متمركزة، ما يجعل قوة الصهاينة بدون فائدة، هم أشبه بمن يواجه أشباحاً، فلا يعرف الضابط الصهيوني فوق دبابته من أين تطاله نيران قناصي المقاومة.
هذا مع إبداعات المقاومة المتجددة، فنحن، الآن، ولأول مرة، نشاهد صواريخ المقاومة وفي وسعها الوصول إلى أي مكان في الأرض المحتلة، كما أننا انبهرنا برؤية طائرة من دون طيار محلية الصنع، صُنعت داخل أروقة غزة وأنفاقها، وآخر ما وصل إلينا هو تطوير الدفاع الجوي للمقاومة، مما أدى إلى تمكن المقاومين من استهداف طائرة حربية صهيونية.
كل هذه الأسباب ممزوجة بروح العقيدة، التي تجعل جنود المقاومة يعشقون الموت في سبيل قضية عادلة، ويقبلون عليه، لعلمهم أن الشهادة طريق لتحرير الأوطان، والوصول إلى أعلى الجنان. كل هذا جعل الجيش الصهيوني في حيرة من أمره، وغير قادر على تحقيق أية أهداف، ما جعله يتصرف بجنون، وبطيش، كما الأعمى، يقصف كل مكان في غزة، البيوت والأسواق وحتى الأراضي الزراعية، بل إن الإجرام وصل بالصهاينة إلى حد قصف المستشفيات التي تداوي الجرحى.
آخر وسيلة لجأ إليها الصهاينة للقضاء على المقاومة، هي الحرب البرية، على الرغم من تكلفتها، إلا أن وحدة فصائل المقاومة، وصمودها وتكتيكاتها المتمثلة في أسلوب حرب العصابات المتطورة، جعل أمام الصهاينة حاجزاً منيعاً، يحمي غزة من بطشهم وعربدتهم.
الصهاينة اعترفوا، على غير عادتهم، بمقتل عدد كبير من جنودهم، وباختطاف الجندي شاؤول آرون، وكلنا يعلم أن عدد القتلى الحقيقي أضعاف العدد المعلن، لكنهم يتكتمون محافظين على نفسية جنودهم ومعنوياتهم. إن القوى غير متكافئة، ولهذا، لا يمكننا قياس انتصار طرف على الآخر بعدد قتلى الطرف الآخر.
ومجرد صمود المقاومة وثباتها، على الرغم من ضعف الإمكانات، وعلى الرغم من التجويع والحصار الاقتصادي الذي مورس على أهل غزة منذ أعوام، مجرد الصمود في هذه الظروف يعتبر انتصاراً ساحقاً، فما بالنا ونحن أمام تقدم عسكري، وتحقيق إنجازاتٍ بديعة ملموسة للمقاومة.