غزوة الكراتين.. سرطنة الشعب

24 ابريل 2019
الصورة

ثلاثة أيام من الهستيريا، فاقعة اللون، عاشتها مصر لمناسبة الاستفتاء على ترميم وتشطيب دستور (السلطان) عبد الفتاح السيسي.

ثلاثة أيام من العار الحضاري المقصود والمصنوع، في محاولةٍ لتقديم صورةٍ ممزّقةٍ داخل برواز مهشم  للمواطن المصري، وقد تحوّل إلى كائن ممسوخ أمام العالم، وأمام ذاته.

نعم، كل هذه المشاهد والصور التي صنعها النظام أمام مقار الاقتراع، القصد منها إحراق أي أملٍ في الجماهير، وللجماهير، وبالجماهير.

أرادوا أن يقهروا الإنسان المصري من داخله، ويظهروه مثل كائنٍ مسرطنٍ في وعيه، وفي قيمه وأخلاقياته، من خلال جلب مجموعات من المهمّشين المطحونين اقتصاديًا ومعرفيًا، وتسليط الأضواء عليهم، وهم مشتعلون رقصًا هستيريًا، قبل أن يتدافعوا ويتقاتلوا للظفر بكرتونة غذاء أو كوبون شراء.

يمكنك أن تصنع هذه المشاهد البائسة بكاميراتٍ احترفت الإسفاف، وتنقلها عبر إعلام احترف النفاق المبتذل، وتفلسفها من خلال محللٍ يتعيش على عهر الفكرة ونخاسة الكلمة، بوصفها حالة بهجةٍ قومية، تتشارك فيها الجموع.

أو تستطيع أن تلجأ إلى الحل الأسهل: إنهم الإخوان الإرهابيون، أتباع الدولة الدينية المتطرّفة المتزمتة أغرقوا ساحات الاستفتاء بوصلات الرقص المبتذل، كما أغرقوها بكراتين السلع الغذائية، لتشويه سمعة الوطن. 

في تلك الكوميديا السوداء، يتحول عَلَم الدولة ورمزها إلى قماشةٍ رديئةٍ لثوبٍ أكثر رداءة لرقصةٍ مجنونة، تنقل عبر كل الوسائط من أمام اللجان، تعبيرًا عن لوثةٍ قومية، متقنة الصنع، لتثبيت ذلك المفهوم الفاسد للوطنية الذي تريده السلطة من الإنسان الذي يعيش على أرض مصر.

وهذا الطقس المشبع بأبخرة الجهل والخرافة هو ما يسعى إليه نظام عبد الفتاح السيسي، لكي يقف الجنرال أمام الأوروبيبن، ويقول، بملء الفم: لا تطبقوا معاييركم في مجال حقوق الانسان على الشعب المصري.. شعوبكم غير شعبنا، فلدينا شعب جائع وجاهل، ليس مؤهلا للديمقراطية، ولا يريدها، وحقوقه واحتياجاته تختلف عن حقوق إنسانكم. كما فعل وهو يرد على رئيس فرنسا حين تطرّق لملف الحريات وحقوق الإنسان في زيارته الأخيرة للقاهرة  "ينبغي النظر لحقوق الفقراء أولا"، مشدّدا على أنه في رقبته مئة مليون مصري، و"لسنا كأوروبا ولسنا كأميركا ولدينا خصوصية".

هل نجح نظام السيسي حقًا في حقن الشعب بهرمونات الجهل المسرطن؟ هل هؤلاء الذين شاهدتهم في"مولد الاستفتاء" يعبرون عن حالة الشعب المصري في عمومها الآن؟. بالضرورة، وبكل تأكيد: لا. الدلائل عديدة، منها أن سجون مصر هي الأكثر ازدحامًا بالمعارضين، على مستوى العالم، ومنها، أيضًا، أن ست سنواتٍ من غطرسة القوة المطلقة للسلطة الحالية لم توفر لها الشعور بالأمان مع هذا الشعب، ومنها قبل ذلك كله إحساس السلطة بأن دستورها الذي وضعته، مفصلًا على مقاساتها قبل خمس سنوات، لا يوفر لها الحماية الكافية من الغضب المكتوم لدي هذا الشعب.

ست سنوات من التدمير المنهجي لخلايا الوعي، والإفساد المنظم لمعاني الوطن والوطنية والمواطنة، وافتراس الجماهير بالترويع والتجويع، لم تستطع أن تمنح النظام ذلك الشعور بأن الأمور استتبت له، فقرّر أن يلجأ إلى محاولة تكفير الشعب بالشعب، من خلال تكبير مشاهد الهوان الجماهيري والانسحاق أمام كرتونة من السلع الرخيصة، ليكون مضمون الرسالة: لا تراهنوا على الجماهير، فقد أعدمنا الجماهير، حتى وإن كانت تمشى على قدميها وتتلقف ما يلقى لها من طعام رخيص، وتتراقص على أغنيات أكثر رخصًا.

هو يريد منك أن تستسلم أمام وحشية الصور والمشاهد المهينة، فلا تحقّق له مراده، ولا تتنازل عن يقينك بذاتك، وناسك، وثقتك بأن مصر ليست هؤلاء.. مصر الحقيقية محجوبة ومحبوسة، وما تراه يتحرّك أمامك هو النسخة المزيفة منها.

 

تعليق: