غزة وأزمة النخب العربية

19 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 05:24 (توقيت القدس)
+ الخط -

في لحظة فارقة من تاريخنا المعاصر، حيث تترنح الدولة الوطنية، ويفشل المشروع النهضوي العربي، وتطفو على السطح مشاريع ما قبل الدولة، ويُكشف الغطاء عن الأزمات المتعفنة في جسد الأمة العربية، في هذه اللحظة، تتعرض منظومة القيم الأخلاقية والسياسية والاجتماعية لهزات مميتة.

في هذه اللحظة بالذات، يجد المواطن العربي نفسه يُقصف بخطابٍ، لم يتوقع حتى في أسوأ كوابيسه أن يسمع مثله. دفعت موجة الثورة المضادة بمنظومة فكرية وإعلامية وثقافية قلبت ظهر المجن على الضمير والوعي العربيين، فتحول الإسرائيلي المحتل للأرض، والممارس شتى أنواع إرهاب الدولة العنصرية الاستعمارية، إلى حمل وديع ومدني بريء، يتعرض لصواريخ المقاومة الفلسطينية التي لا هم لها سوى قتل الحياة، ومحاربة الحضارة المدنية التي تمثلها إسرائيل/ هذا حسب الادعاء الصهيوني، وأن إسرائيل ما هي إلا الديمقراطية الوحيدة في المنطقة!

تحولت الخيانة والتبعية لإسرائيل إلى مجرد وجهة نظر، تستحق الاحترام والتقدير، بينما الإيمان بالمبادئ والدفاع عن القضايا العربية فكر متطرف وإرهابي، يستحق المعاقبة والمحاربة! أما الفلسطينيون المحاصرون والمعتقلون في سجن كبير، اسمه قطاع غزة، و/أو الضفة الغربية، فهم العبء الذي تشكو منه الأنظمة العربية، وحملة مباخرها.

كم كنا سذجاً، حينما اعتقدنا أن تظاهر بضع مئات آلاف من العرب، في بعض العواصم العربية، وتغيير بعض رؤوس الأنظمة، كفيل بأن يرسم تاريخاً مختلفاً عن قرن من التبعية والظلم والاستبداد. كم كنا بريئين، حينما اعتقدنا أن تغييراً في الأنظمة قد يدفعنا إلى معالجة قضايا كبتها الطغيان، ووضعها تحت السجادة. فخلال أشهر قليلة، تفجرت في وجهنا كل تلك الأسئلة الكبرى التي تجاهلناها، وتغاضينا عنها، من نقاش الدولة المدنية والدينية إلى قضية فلسطين، مروراً بالديمقراطية والتعليم والنخبة، وغيرها من القضايا الجوهرية. ولعل نقطة البداية كانت مع النخب العربية السياسية والثقافية والإعلامية.

عندما قامت الثورات العربية كان مطعنها ونقطة ضعفها أنها بلا نخبةٍ، تقودها وتؤطرها وتدفعها نحو تحقيق أهدافها. لكن، ما ثبت، بعد ذلك، أن هذه النخب نفسها كانت جزءاً من المشهد المترهل في العالم العربي، والذي دفع إلى تفجر الثورة. الثورة، في جزءٍ منها، جاءت على هذه النخب التي لم تأل جهداً في صياغة وعي مزيف، على عكس مهمة النخب الأساسية في صياغة الأزمات السياسية والاجتماعية والسياسية، وإيجاد الوسائل لتصريفها حتى لا تتراكم، وتقضي على إمكانية التنمية وبناء الأمم والدول.

إذا كانت النخب لم تقد الثورات العربية، فإنها تبوأت مكانتها في الثورة المضادة، وراحت تتلاعب وتشوه الضمير العربي، حتى تكون لها حصتها في كعكة النظام الجديد الذي قام على أنقاض أحلام الشعب العربي وآماله في بناء دول مستقلة حرة ديمقراطية. وهكذا، اكتشفنا أن بين ظهرانينا منظومة معادية لنا، تم إنتاجها وصناعتها بأعين من يهيمن على أنظمتنا ودولنا ومجتمعاتنا.

الآن، وبعد أن سقطت ورقة التوت عن عورة هذه النخب، وتهاوت، كقصور الرمال، كل تلك المنظومات الفكرية التي قادت العالم العربي على امتداد القرن الماضي، يحق لنا أن نفتح باب الأسئلة الحرجة بشأن مكمن الخلل ومواطن الضعف في بُنَانا الفكرية ومنظوماتنا التربوية، ونماذج السلطة التي هيأت الأرضية لإنتاج هذه النباتات الطفيلية التي تتغذى على ما بقي من كرامتنا وحريتنا وهويتنا.

وفي طور الإجابة عن كل هذه الأسئلة، من المفيد أن تتعرى هذه النخب وهي تتراقص على دماء الشهداء، وهي تلعق أحذية العسكر، وهي تعمل، بصفة خبراء، عند أعداء الأمة، ولعل ذلك نقطة البداية لإنتاج نخب جديدةٍ، ملتزمة بقضايا أمتها وجماهيرها، وتكون قادرة على قيادة الأمة، لتنهض من كبوتها.

A1CADBA5-201E-4EE1-870E-303C6562E1FF
رامي الخليفة العلي

كاتب سوري