غريتا ثونبورغ... أن تكون ضحيّة في عالم استعراضيّ

16 أكتوبر 2019
الصورة
متى تذهب غريتا إلى المدرسة؟ (ستيفاني كيث/Getty)
+ الخط -
أدرج الـ"DJ" فات بوي سليم أخيراً، في واحدة من حفلاته، جزءاً من خطاب الناشطة الطفلة غريتا ثونبورغ ضمن إحدى أغنياته، لتردد كلماتها عن موت النظام البيئي وخطر الحكومات التي لا تبالي به بين جموع المستمعين. غريتا، ابنة الـ16 عاماً، بدأت نضالها البيئيّ بعمر الـ15، وساهمت بتنظيم إضرابات المدارس لأجل المناخ، وتعاظمت شهرتها حتى وصلت إلى نيويورك حيث ألقت كلمة في وجه رؤساء العالم، وأخبرت الصحافيين لاحقاً أنها وصلت إلى المدينة "الوسخة" في طوف بيئي لا يلوث البحر والجو، ويعمل على الطاقة الشمسيّة، لتكون مثالاً على المناضلة الشابة التي ترى في الأزمة البيئيّة "حقيقة" لا رأياً يختلف عليه "الكبار".

لا يمكن انتقاد ما تدعو إليه غريتا وسلوكها، وإلا ينتهي بنا الأمر كـ فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وإيمانويل ماكرون الذين رأوا فيها "شابة لطيفة ومتهورة"، لكنها لا تدري متغيرات العالم السياسيّة، وتحمل موقفاً راديكاليّاً لو تبناه الجميع لكنّا أمام مشكلة. لكن، ما نريد مناقشته هو توظيفها كطفلة وضحية في ذات الوقت، وكيف تحولت إلى جزء من الثقافة الشعبيّة، بل وخاضت معارك قضائية ضد من يربح من وراء استخدامـ(ها)، كما فعل إنغار ريتزهوغ الذي جمع الملايين من بعد أن وظف، من دون علمها، اسمها وصورتها ضمن حملة شركته الصاعدة التي تنشط في مجال الحفاظ على البيئة، ما دفع غريتا إلى التصريح بأن لا علاقة لها به ولا بشركته.
كلنا كـ غريتا، ضحايا تصرفات الحكومات، التي تنتهك الكوكب وتتركنا لموتنا البطيء. الفرق أن غريتا محظوظة ومواطنة دولة إسكندنافيّة، لكنها بعمر الـ16عاماً، وإضرابها عن المدرسة يتركنا أمام سؤال أخلاقيّ: متى ستذهب إلى المدرسة؟ وهل قرار تحولها إلى "مناضلة" بيئيّة، عقلانيّ؟ أم أننا أمام نهاية العالم الذي يوشك على الاحتراق، وكل الأنظمة انهارت ولا داعي حتى للمدرسة؟
التساؤلات السابقة مرتبطة بالنبرة الراديكاليّة المفرطة التي تتحدث بها غريتا، هي تُحرِّك المشاعر، وتواجه رؤساء العالم بكلمات تُتداول في المساحات الشعبية وبين الناشطين، وحين نسمعها من طفلة تبدو مؤثرةً. لكن ما هذا الأثر؟ يمكن النظر إلى غريتا كضحية لهيمنة أيديولوجية يساريّة، راديكاليّة، تُتداول صورتها وكلماتها كأي ضحيّة أخرى أنتجها العنف السياسيّ، إذ أصبحت الـPoster girl لقضية المناخ، تتبناها الثقافة الشعبيّة وتضعها اسماً وجسداً تحت الأضواء، لتكون درساً لـ"الكبار الذين يتبرزون على الكوكب"، حسب تعبيرها.
توظّف غريتا الآن على الشاشات لتربية وهمنا عن الخلاص، وإنقاذ أنفسنا والسعي في سبيل جعل قضيّة المناخ مركزيّة، لكن بعد الضجة الإعلاميّة حولها، وحرفياً مع انتهاء مساحة الظهور المتاحة لها في برامج الحوار الليلية، وقبل الانتقال إلى الفيديو التالي على "يوتيوب"، يتولد لدينا شعور بالتقدير والاحترام في ذات الوقت يتردد في الذهن سؤال: متى تذهب غريتا إلى المدرسة؟ الذي يتكرر بعد أن نعلم أنها لا تستخدم الطائرات، وتتنقل على "الأرض" كي لا تساهم بضخ الكربون، أي أن رحلاتها تستغرق أسابيع في بعض الأحيان.
تجيب غريتا بأنها أخذت عاماً استراحة من المدرسة، لكن هل من المنطقيّ لطفل بعمر الـ16 أن يأخذ استراحة من المدرسة، خصوصاً أن لا خطر مباشراً على حياته أو بلاده بسبب الأزمة المناخيّة؟ الأهم أن المعركة التي تدعو إليها غريتا تهدد شكل العالم كما نعرفه، صحيح هو "مستنقع" و"خراب"، لكن المواجهة تعني الوقوف بوجه الشركات والحكومات التي تضمن حياتنا وأسلوب عيشنا، فهل مثلاً يستطيع طلاب الشرق الأوسط الإضراب والتوقف عن حضور المدارس إلى حين تأخذ حكوماتهم قرارات بيئيّة؟ هل يمتلكون ذات "رفاهية" غريتا؟ (فلنتذكّر، هنا، إضراب المعلّمين في الأردن مثلاً).
النضال البيئي يحوي إشكالية ترتبط بطبيعة النظام السياسيّ الذي يحكم كل منطقة في العالم، صحيح لا بدّ من جهود عالميّة وجديّة للوقوف بوجهه، لكن "الاستغناء" و"التغيير" الذي يُطالب به مواطنو الدول الكبرى الملوّثة للكوكب يستحيل تنفيذهما في الدول الأخرى.
دول ذات الضحايا الأوائل لأي كارثة طبيعيّة، أولئك الذي لا يمتلكون "رفاهيات"، ويُتركون أحياناً لموتهم كما حصل مع الفئة الفقيرة والملونة حين ضرب إعصار كاترينا الولايات المتحدة. المقاربة السابقة مرتبطة بالسياسات النيوليبرالية التي ترسّخ اللامساواة، حيث تنجو فئة بسبب امتيازاتها ورفاهيتها وتترك فئة أخرى أفقر وأشد معاناة، لكنها تخضع لتأثير أيديولوجي يخلق لديها أحلاماً بالخلاص وتناضل على حساب شروطها السيئة في سبيل امتيازات ليس بيدهم القدرة على تحقيقها، كون زمن نضالهم هذا يستهلك زمن "حياتهم" المهددة اقتصادياً وسياسياً ويهدد أسلوب حفاظهم عليها.

المساهمون