غرداية في دائرة العنف مجدّداً.. وأسئلة حول التعايش

غرداية في دائرة العنف مجدّداً.. وأسئلة حول التعايش

06 يوليو 2014
الصورة
من جديد، عنف وفوضى وعودة إلى نقطة الصفر(فرانس برس/Getty)
+ الخط -


لم تدم طويلاً فرحة بعض سكان غرداية بعودة الاستقرار نسبياً لأسابيع عدّة. لا بل تقترب التوقعات التي كانت قد أشارت إلى أن رمضان هذه السنة سيكون صعباً في غرداية من التحقّق، بعدما شهدت المنطقة ليل الإثنين الماضي تراشقاً بالحجارة في منطقة الحفرة وتوقيف شابين، وذلك بعد تداول معلومات حول مقتل شاب لم يتعدَّ الثامنة عشرة من عمره، اعتبر الضحية الثامنة لأعمال العنف في الولاية، وهو الحادث الأليم الذي أدّى إلى اندلاع العنف والفوضى، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر.

وقد أوقفت وحدات التدخّل، التابعة للدرك الوطني في غرداية، ليل الثلاثاء ـ الأربعاء الماضي أربعة أشخاص وحجزت أربع دراجات ناريّة، بعد تجدّد أعمال العنف واشتدادها في مناطق قريبة من قصر غرداية، ناحية حي الحفرة وساحة العقيد لطفي. وكان قد أصيب أيضاً تسعة أشخاص، بينهم طفلان، بحالات اختناق حادة بفعل استنشاق الغاز المسيل للدموع، في حين أصيب خمسة من عناصر وحدات التدخّل التابعة للدرك الوطني في أثناء مشادات نشبت بين شباب وعناصر وحدات التدخّل قبل صلاة التراويح وفي أثنائها وبعدها.

وانتقد عضو مجلس أعيان الميزابيين الإباضيين لقصر غرداية قارة عمر بكير، تردّي الأوضاع في الولاية وعودتها إلى نقطة البداية. وفي بيان حصل "العربي الجديد" على نسخة منه، قال إن "المجرمين القَتَلة يتربّصون بالمجتمع الميزابي، وحملة الاعتداءات التي تطال الولاية متواصلة، إذ تم التخطيط في اليوم الثاني من رمضان للقيام بسبعة اعتداءات على السيارات مباشرة بعد صلاة الصبح".


ضحايا وخسائر 

وعلى الرغم من تدفّق الوفود والوساطات على مدينة غرداية الجزائريّة لرأب الصدع بين أبناء المدينة الواحدة، إلا أن جلّ هذه المبادرات لم يصل إلى نتيجة. فقد استمرّت المواجهات بين عدد من الشباب المتحدّرين من عرقَين مختلفَين هما العربي والأمازيغي، وتسبّبت أعمال العنف في سقوط عشرات الجرحى بالإضافة إلى خسائر ماديّة كبيرة. وتحاول السلطات الجزائريّة السيطرة على الوضع الأمني في المدينة عبر طرحها مبادرات لحلّ الأزمة قبل توسّع رقعة أعمال العنف.

وكانت أعمال العنف قد بدأت في غرداية إثر تحرّك احتجاجي قام به مواطنون محرومون من السكان من العرب، خرّبوا في خلاله محلاً تجارياً يملكه تاجر إباضي. فدخلت المدينة بعد ذلك في دوامة العنف.


وفي خلال الفترة الممتدة بين كانون الأول/ ديسمبر 2013 وآذار/ مارس 2014، تحوّلت منطقة غرداية (600 كلم جنوب الجزائر)، وهي مدينة تاريخيّة وبوابة الصحراء المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (يونيسكو)، إلى مسرح لاشتباكات مذهبيّة عنيفة بين الشعانبة العرب أتباع المذهب المالكي وأمازيغ بني مزاب ـ نسبة إلى وادي مزاب في الولاية ـ أتباع المذهب الإباضي الذين يبلغ عددهم نحو 200 ألف ويتحدّرون من أصل بربري. وقد تحوّل قلب المدينة في تلك الاشتباكات إلى ميدان لتبادل الزجاجات الحارقة والمولوتوف، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة المئات، بالإضافة إلى تخريب أكثر من مئة محلّ تجاري وإحراق 400 منزل.

فاضطرت مئة عائلة إلى النزوح من الأحياء التي شهدت المواجهات، وتوقّفت الدراسة في عدد من المدارس، وأرغم عشرات التجار في أحياء متفرّقة من مدينة غرداية على إخلاء محلاتهم من البضائع لحمايتها من النهب الذي يستهدف المحال التجاريّة والذي قد يطالها. وقد نفّذ هؤلاء إضراباً، احتجاجاً على تراخي السلطات في ردع المجموعات التخريبيّة. إلى ذلك، حذّرت جمعيّة العلماء المسلمين وأحزاب سياسيّة وناشطون إعلاميّون من مخاطر الفتنة الطائفيّة وتداعياتها على أمن الجزائر واستقرارها.


بين الاجتماعي والمذهبي

وفي غمرة هذه الأحداث، يتراشق الطرفان بالاتهامات حول مسؤوليّة ما يحدث، ويضع كل طرف نفسه في موقع الضحيّة. لكن بين الطروحات التي يقدّمها هذا وذاك، ثمّة اعتراف ضمني بأن مستقبل التعايش بين فرقاء المنطقة بات في حكم المجهول. ففيما يطالب العرب بتقسيم إداري جديد في المنطقة لحلّ مسببات الأزمة، يقول بني مزاب إن التعايش مع العرب أصبح بحاجة إلى إعادة النظر وإنعاش ودراسة، ولكنهما يتفقان على أن ثمّة أطرافاً خارجيّة تريد استغلال الصراع.

ويقول بعض المتابعين لتطوّرات الأحداث إن بني مزاب بدأوا يرسمون الحدود الفاصلة بينهم وبين عرب الشعانبة، ويطرحون أسئلة بشأن مستقبل تعايشهم في المنطقة. فكلّ طرف يتهم الآخر بالعنصريّة، باعتبار أن أعمال الشغب أخذت منحى جذرياً، على خلاف الأحداث التي وقعت في العام 1989 والتي تركت نفوساً متعبة وأسئلة مطروحة حول آفاق التعايش على أرض منطقة غرداية.


وفي تحليلهم للوضع، يشير مراقبون إلى أن الأحداث الأخيرة في منطقة غرداية لا تستند في الأساس إلى اعتبارات مذهبيّة بين المالكيّة والإباضيّة، بقدر ما تستند إلى تدهور الأوضاع الاجتماعيّة. فمن الناحية الاجتماعيّة، ثمّة مشاكل تغذّي الحساسية الموجودة بين الطرفَين، وثمّة آراء لبعض المتابعين تقول بأن العرب يعيشون التهميش.

وهذا ما تشير إليه أستاذة الفلسفة، نبيلة ماروك، موضحة، لـ"العربي الجديد"، أن "العرب في المنطقة مهمشون، لا سيّما من الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة، وهم يعانون من الحرمان والبطالة والفقر. فالمزابيون هم الذين يتحكّمون في تسيير الشأن العام منذ مدة طويلة، ومنهم الأعيان والمرشحون للانتخابات، وهم أغلبيّة في البلديات وفي الولاية ولهم برلمانيّون". تضيف أن "الأحداث التي وقعت، وراءها أيادٍ خفيّة من خارج المنطقة".

إلى ذلك، يرى الناشط، حسين محمد، أن أحداث غرداية لا يمكن أن تكون طائفيّة وإنما تدخل في حيّز الصراعات السياسيّة على مستوى السلطة. ويسأل: "أين السلطات الجزائريّة من الحل الحقيقي للوضع في المنطقة، الذي يقارب جذور المشكلة بعيداً عن الطابع الأمني؟".

من جهتها، استبعدت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين أن تكون للأحداث التي شهدتها مدينة غرداية أية أبعاد طائفيّة أو عرقيّة أو عصبيّة، معيدة ما وقع من صدامات دامية بين الإباضيين والمالكيين إلى أسباب اجتماعيّة واقتصاديّة محضة.