غداً مغامرة أخرى

03 يناير 2015
الصورة

عباس في احتفال ذكرى انطلاقة فتح برام الله (ديسمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -
مراقبة مسار المشروع الفلسطيني في مجلس الأمن، والنهاية التعيسة التي وصل إليها، تثيران الكثير من الريبة، خصوصاً لجهة الاستعجال وإصرار الرئاسة الفلسطينية على طرح المشروع للتصويت، في فترة شهدت تقلبات في الأمزجة السياسية، وانسحاب بعض الأطراف الداعمين، والعودة إلى الصيغة الأساسية التي كانت مثار معارضة، حتى داخل المجموعة العربية في المنظمة الدولية. كل هذه الأمور تمت قبل ساعات قليلة من تقديم المشروع، ما كان يشير، بالضرورة، إلى أن أنه سينتهي إلى خيبة كبرى للدبلوماسية الفلسطينية. المثير للريبة أنه كان من المفترض أن يرى الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وجهابذة التفاوض من حوله، المصير الذي ينتظر مشروع "إنهاء الاحتلال"، ومع ذلك، أصر على المضي فيه، حتى من دون تأمين الأصوات التسعة اللازمة، التي تحرج الولايات المتحدة وتدفعها إلى استعمال حق النقض ضد المشروع. وكأن الوصول إلى الفشل كان مقصوداً من القيادة الفلسطينية، التي للمرة الثانية، تلعب على وتر الأحلام الشعبية، لنيل التعاطف قبل أن تسقط هذه الأحلام على أرض الواقع، المعروف سلفاً.
هي مغامرة خاضها عبّاس لملء الفراغ السياسي في الأفق الفلسطيني. مغامرة لتقطيع الوقت، وبث بعض الحراك في المسار التفاوضي، تماماً كما كانت المحاولات السابقة، عبر الاعتراف بالدولة في مجلس الأمن، ثم الاعتراف بالعضوية غير الكاملة في الأمم المتحدة، والذي كان يخول السلطة الانضمام إلى معاهدات دولية كثيرة، لكن أبو مازن قرر، حينها، الاكتفاء بالاعتراف، وليكن غداً يوم آخر، أو مغامرة أخرى.
الآن، قرر عباس خوض المغامرة الجديدة. بعد نهاية مسرحية "إنهاء الاحتلال"، وتأمين التعاطف الشعبي باعتباره "المحارب دولياً في خياراته السياسية"، المرفوضة بالأساس شعبياً، قرر الخوض في مغامرة المعاهدات الدولية، وخصوصاً المحكمة الجنائية الدولية، التي كان يؤجل استعمالها منذ أكثر من عامين، لأسباب عدة كان يسوقها، منها أنه خائف على استخدام إسرائيل ورقة المحكمة لملاحقة أطراف فلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس. لا أحد يدري ما الذي تغير اليوم، وهل تبدد الخوف، أم أن الغاية تكون ضرب عصفورين بحجر واحد بالنسبة إلى أبو مازن.
بغض النظر عن الغايات الظاهرة والمبطنة في مسعى الرئاسة الفلسطينية، يبقى التوقيع على المعاهدات غير نهائي، باعتبار أنه لا يضمن الانضمام مباشرة إلى المؤسسات الدولية، وخصوصاً المحكمة الجنائية الدولية. فالأمر لا يزال بانتظار الموافقة على الطلب، الأمر الذي تعارضه الولايات المتحدة "بشدة"، بحسب تعبير البيت الأبيض. وقد لا تؤدي المعارضة الأميركية للطلب الفلسطيني إلى رفضه، لكن بالضرورة ستسهم في تأخير البت فيه إلى حين تغيير المعطيات الدولية، أو تقديم "جائزة ترضية" للرئيس الفلسطيني، تجعل قبول الطلب إجراء شكلياً، لا يقدم ولا يؤخر.
لكن، لنفترض أن الأمور سارت بسلاسة، كما يرغب معظم الفلسطينيين، وليس بالضرورة السلطة، وتم قبول الطلب الفلسطيني بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. ماذا تحضّر السلطة لليوم التالي، وهل لديها ملفات جاهزة لمحاكمة إسرائيل على الجرائم الكثيرة بحق الشعب الفلسطيني، القديمة والجديدة، أم أن الانضمام مجرد ورقة ضغط تستخدم ضد سلطات الاحتلال والإدارة الأميركية، وسيتم ركنها على الرف، فور نيل الغاية منها؟ أسئلة تنتظر قبول الطلب الفلسطيني لتظهر إجابتها، غير أنها، بالتأكيد، ستقود إلى مسار قانوني طويل بلا نهاية.
ما بين قبول الطلب أو تأجيل اعتماده، تبقى عملية ملء الفراغ بالنسبة إلى أبو مازن الأساس، وربما يخرج من جعبته مزيداً من الخيارات، وتسويقها شعبياً أنها الحلول الناجعة للمعاناة الفلسطينية لمواجهة "المؤامرة الدولية". اليوم، هناك ورقة المحكمة الجنائية الدولية، وغداً ربما ورقة أخرى. لكن، لا شيء مضمونٌ حتى النهاية.