غداً إن عادت بيروت

19 اغسطس 2020
الصورة

نالت بيروت، المدينة وسكانها، بعد انفجار مرفأها، تعاطفاً شعبياً عربياً وعالمياً تستحقه، لم يسبق أن انهال عليها، معنوياً ومادياً، منذ تدميرها في الحرب الأهلية اللبنانية. مفهوم سبب العواطف الصادقة الوافدة، نسبةً إلى حجم الكارثة، وإلى ما تعنيه بيروت في المخيال العربي وفي خواطر بشر من كل العالم، كحاضرة مفتوحة وسط شرق مظلم مغلق، تذبحه منذ عقود أعتى الديكتاتوريات والفاشيات والظلاميات العلمانية والدينية والعسكرية. لا شيء يعوّض على المنكوبين خسارتهم، لكن غداً، إن قامت قيامة بيروت مجدداً، فسيكون على أهلها وسكانها إعادة التفكير بصدق في هويتهم وفي تعريفهم لأنفسهم ولمحيطهم ولمدينتهم ولدورهم. سيكون على سكان العاصمة أن يحددوا أي بيروت يريدون: بيروت الانفتاح والترحيب بـ"الغريب" والثقافة والتحرر والمساواة بين قاطنيها بغض النظر إن كانوا مولودين فيها ومسجلين في دوائر نفوسها، أم قادمين إليها من الأطراف اللبنانية أو من خلف الحدود؟ أو بيروت التي بدت كأنها تغار من انغلاق حواضر عربية عظيمة لكنها صارت غابرة، واستحالت مجرد أسماء تاريخية غير مطروحة كخيار للعيش؟

لا ظلم يُرتكب بحق بيروت، ولا انتقاص من نكبة أهلها الحالية إن تذكّرنا في هذه الظروف المأساوية أن حال المدينة لم يكن على ما يُرام لناحية هويتها الكوزموبوليتية وترحيبها بالقادمين من خارج أسوارها الإدارية، منذ سنوات. تكفي معرفة أن بيروت قلما تضامنت، منذ فترة طويلة، مع نكبات جيرانها من المدن العربية ومن زميلاتها من عواصم العالم المنكوبة. المأساة السورية التي استحقت غلياناً بيروتياً، إنسانياً على الأقل، إن لم يكن سياسياً، لم تحرك شوارعها حقاً. ظل هناك "فدائيون" لبنانيون تستفز المجزرة الأسدية ــ الإيرانية ــ الروسية ضمائرهم، لكنهم كانوا قلة قليلة لا يعكس عددهم ما كانته بيروت حتى خلال حربها الأهلية، مقصداً للهاربين من قتل وتنكيل واضطهاد. العنصرية لوّثت بيروت وطيفا واسعا من سكانها، وصار السؤال عن الجنسية والطائفة أشبه بحاجز على الهوية يلاحق كل من أراد استئجار أو شراء منزل فيها. تُستحضر المأساة السورية هنا لكونها الأقرب جغرافياً وتاريخياً وسياسياً إلى السياق اللبناني، لكن الغياب عن السمع البيروتي يمكن تعميمه على مجمل الكوارث العربية التي استحقت من هذه المدينة وقفةً إنسانية معنوية على الأقل، وفتحاً للأبواب، يردّ الجميل الذي لاقته في كل مرة كانت تهدد أو تُدمر، بحرب أهلية أو باجتياح إسرائيلي أو بكارثة ارتكبتها بحقها الطبيعة أو أنزلها بها فساد. 

لا نعمّق الجرح البيروتي إن قلنا إن بيروت التي تستحق اسمها وتاريخها وثقافتها وعالميتها لن تكون بيروت الآخذة في الانغلاق على هويتها الضيقة منذ ما قبل انفجار مرفأها بسنوات، ولا بيروت التي ترتضي هذا الانخفاض المتسارع في سقف الحرية المتاح فيها. إن لم تكن بيروت مفتوحة على كل شعوب الدنيا، بدءاً من العرب الذين يجدون فيها تعويضاً عن ضيق سياسي ــ ثقافي ــ تحرري يلاحقهم في بلدانهم، فإنها ستكون مجرد عاصمة بائسة أخرى تكفي سويعات لزيارتها ثم مغادرتها بلا حسرة فراق. لن يكون على بيروت أن تعوّل على تنظيمها العمراني لاجتذاب الناس إليها، فهو خراب أصلاً، ولا شروطها السياحية مغرية، ولا النقل العام متاح فيها. كل ما يمكن لبيروت أن تتسلح به مستقبلاً، هو الانفتاح والتحرر والتنوع وإيواء اللاجئين والهاربين من جحيم يلاحقهم، لعلّ مفعول العدوى ينتقل منها إلى جوارها، بدل أن تحسدها أحوال نظيراتها من مدن وحواضر عربية لم تتمكن من استعادة روح خطفتها أنظمتها الدموية.

قد تكون إعادة إعمار بيروت الأكثر كلفة مادياً، لكن الأصعب سيكون إعادة تعريف المدينة نفسها وهويتها. يكفي أن يحب أهل بيروت مدينتهم بقدر ما يحبها "الآخرون"، لكي يعيدوها مكاناً رحباً لا مجرد سجن إضافي يحتاج داخله والخارج منه إلى أختام وجوازات سفر ومرور.