غانم السليطي لـ"العربي الجديد": "شللي يصير" يعبر عن صدمة المواطن الخليجي بالحصار

الدوحة
أسامة سعدالدين
05 يوليو 2017
+ الخط -

مسكونٌ بحبّ الوطن، ملهمٌ بالبيت الخليجي، يتألَّم كحال الكثيرين جراء القرار الذي اتُخذ في ليلٍ مظلم، وفرض أشقاء الدم حصاراً جائراً على قطر. يطالب بتحييد الخلافات السياسية بين السلطات عن الشعوب. تناول مجلس التعاون الخليجي بالنقد منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويعود اليوم في عمل جديد ليعرض مجلس التعاون للبيع في سوق "الحراج". رغم أنه يجسِّدُ هذا المجلس بكل تفاصيله، فهو مواطن قطري، وُلد في البحرين لأمٍّ إماراتية، جدته سعودية، وأهله في سلطنة عمان، وأبناء عمومته في الكويت. إنه الفنان غانم السليطي، الذي التقاه "العربي الجديد"، داخل مسرح قطر الوطني، وكان هذا الحوار.

* أبدأ من العمل الأخير "شللي يصير"، والذي يبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كيف وُلدت الفكرة؟ وما هي الرسالة؟
كعاملين في مجال المسرح والتلفزيون، "شللي يصير" يعبّر عن صدمتنا مما يحصل، من هذا الحصار الجائر. وفي الحلقة الأولى كتبت ما في داخلي. وكانت الرسائل الثلاث الأولى تعالج الصدمة وعدم التصديق، ولكن تجاوزنا الصدمة، ووصلنا إلى حالة أخرى، للأسف، نحن "مضحوك علينا"، ليظهر مجلس التعاون الخليجي، كذبة كبرى، وليُتَّخَذ ليلاً وعلى حين غرة، قرار هدمه بعد 36 سنة، بمؤامرة كبرى تستهدف دولة قطر، بدأت باختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، فقد صنعوا الكذبة وصدّقوها. وبمشاركة مجموعة من الفنانين، نعمل من خلال "شللي يصير"، للتعبير عما في دواخلنا، ودواخل ليس القطريين فقط، بل الخليجيين الذين يتمتعون بالحكمة والحلم، ويمنعهم دينهم وعاداتهم من المسّ والإساءة لغيرهم. إذا أردت أن تحاجج، فطريقك العقل والمنطق، حتى في الدراما. وأنت تعلم عن عملنا في الكوميديا السوداء، والكوميديا بحدّ ذاتها منزلق للإضحاك، ولكن تمكَّنّا من ضبط النفس، حتى وأنا أكتب مع ورشة العمل أطلب منهم تنبيهي عندما أنزلق نحو الضحك، وكذلك أثناء التصوير أيضاً، لأن الكوميديا ساحرة. ووصلنا إلى الحلقة العاشرة، ونحن في صراع داخلي، لكن تمكنا من كبح جماح أي إساءة أو خطأ غير مقصود، لأننا لا نريد الإساءة لأحد، هدفنا تقديم قيم، سواء داخلية أو خارجية. تناولنا موضوع اللحمة الخليجية، والترابط الأسري، وهذا شيء طبيعي في الخليج.

* تحدَّثت عن الرسالة، لكن لم تتحدَّث عن فكرة العمل أين ولدت وكيف؟
أنا مُتوقِّف عن التمثيل، وأعمالي كثيراً ما تُرفض، حتى في تلفزيون قطر. قدمت أفكارا، لكنّها لم تلق القبول، ولذلك أجلس في بيتي منذ أكثر من 12 سنة. لكن، مع بروز الأزمة المفتعلة، من يملك إلا أن يدخل المعركة بسلاحٍ يجيد استخدامه، للدفاع عن الوطن، وعن قطر وعن الخليج، وعن اللحمة الخليجية والبيت الخليجي، وسلاح الفنان هو الدراما. قدَّمنا عبر "شللي يصير" حلقة، مثلتها وأنا أتألم. تناولت بيع مجلس التعاون في سوق "الحراج"، وهي مبالغة كوميدية عالية تقترب مما يسمى فن "البروتيسك" الساخر المرير المرعب. قول المتنبي "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم" فيه قمة المبالغة، ونحن أيضاً جسدنا قمة العتب والمرارة في دواخلنا في أن نبيع مجلس التعاون.
وقد سارعت بعض فضائيات وقنوات الحصار إلى تناول هذه الحلقة، وتحليلها ودراستها، استضافوا سياسيين ليس لهم علاقة بالدراما. وفي اعتقادي، خطأ كبير أن تأخذ "نكتة" وتشبعها تحليلاً سياسياً، لقد تركوا الإبداع الفني ليُدخلوا العمل "سكة" السياسة.

* هذه الحلقة تعيدنا إلى ما قدمته عبر "فايز التوش" عام 2000، وكانت الحلقة بعنوان "مجلس التهاوش الخليجي"، فما الجديد؟
بل قبل ذلك أيضاً، قدمت حلقة "مجلس التهاوش الخليجي" عام 1989، وأحدثك الآن، ونحن في مسرح قطر الوطني. لو كان للخشبة أن تتحدث لحدثتنا عن أطول عرض في تاريخ المسرح القطري، وهي مسرحية "هلو غلف" 1995، إذ قدمتها 112 ليلة متتالية. وكانت تناقش منظومة مجلس التعاون، ولم يكن قد مضى على تأسيسه 15 عاماً، وضحكنا على المنظومة، وسخرنا منها، ثمة مشهد كنت أمشي فيه على الكورنيش، وتلتقيني مذيعة تلفزيون لتستطلع أمنياتي بمناسبة انعقاد مجلس التعاون، فأقول لها ماذا أتمنى؟ كل سنة أكرر نفس الأمنيات، ألا يصيبكم الملل؟ وهذا هو نفس الموقف لم يتغير، ولو قُدر لي إعادة عرض "هلو غلف" سيقولون غانم كتب المسرحية أمس عقب الحصار، لأنها تصور واقعنا اليوم. ببساطة، من تجعله في رأسك وتعاتبه دائماً هو من تعشقه، نحن نعشق اللحمة الخليجية، ونعشق مجلس التعاون، ولكن نعشق مجلس التعاون الحقيقي، نعشق مجلس التعاون الذي هو أنا، أقول في ختام "هلو غلف" أنا غانم أبوي قطري، أمي إماراتية من الشارقة، مولود في البحرين، وجدتي من السعودية "عتيبية"، وأهلي في عمان، وعيال عمي في الكويت.
إذاً، نعاتب الخليج على قدر عشقنا الكبير له، تماماً كما يقسو الأب على أبنائه، ونحن نقسو على مجلس التعاون لأننا نحبه، لكن لا نحب مجلس التعاون الذي خدعنا، مجلس التعاون الذي يعقد المؤتمرات في الفنادق الفخمة، ويتخلله حب "خشوم" وارتداء "بشوت"، مجلس التعاون يلبس مثلي "غترة وعقال"، 37 سنة ومجلس التعاون لم يفلح سوى في صرف أموال الخليج على الأغاني. لو وجد مركز دراسات فنية، لاستنتجَ أن مجلس التعاون صرف مئات الملايين على استديوهات ومطربين وملحنين، ولذلك فمجلس التعاون "شو"، علبة هدية جميلة، لكنها خالية المضمون.

* وما هو المجلس المطلوب؟
نحن نريد مجلس تعاون منسجماً مع الشعوب، له كونغرس، ومجلس شيوخ خليجي. فقد انتهى مجلس التعاون الذي يُقرَّر فيه مصير الشعوب من دون مشاركتهم، نعم القادة "على راسنا"، لكن يجبُ مشاركة الشعوب، لتقولَ رأيها في مصيرها، وليس كما حصل بإعلان الحصار الثلاثي السعودي الإماراتي البحريني على قطر، وفي ليلة ظلماء. قرار الحصار والمقاطعة لا إنساني. وأنا إنسان قبل أن أكون مواطنا، فراعِ إنسانيتي قبل اتخاذ أي قرار مجحف. القرار منع الزوجة عن زوجها، طفل عمره أربعة أشهر، والدته كانت تصطحبه معها، وهي تهم بالخروج من إحدى دول الحصار، ليتم سحب الطفل من بين ذراعي والدته ورده إلى أبيه، وإرغام الأم على المغادرة لأنها قطرية. هل هذا معقول؟ وهل هذا سيعيد المجد لمجلس التعاون. نقدر أن تكون ثمة خلافات بين الحكومات، لأنّها ستحلُّ لاحقاً دون أثر يُذكر، أما الخلاف بين الشعوب فيتجذر، وهذا ما تفعله دول الحصار. أذكر أنّ لدي أصدقاء أعزاء في البحرين وغيرها ولدينا "غروب" عبر "الواتس آب"، أحيانا نناقش قضايا واقعية وسياسية، وترسل بالخطأ فتذهب لصديق في البحرين، فيرد "احترم نفسك"، فأتصل به وأقول "أنت أخ وعزيز أنا آسف"، فبئست السياسة التي تفرق بين الصديق وصديقه وبين الطفل وأمه!

* ما هو دور الفنان إن كان في قطر أو في الدول الأخرى في ظل المقاطعة والحصار؟

كثير من الفنانين في دول الحصار الثلاث - حتى من البلدان العربية - صامتون، ولهم كل الاحترام،  تماماً كما حصل في ما يسمى بالربيع العربي، كثير من الفنانين التزموا الصمت، وبعضهم وقف مع السلطات ضد آمال وطموحات الشعوب، سواء كان في مصر أو سورية أو غيرهما، وذلك تحقيقاً لمنافع شخصية وتقرب من المسؤولين، وشكلوا صدمة لنا، لأننا نعتقد أن الفنان ضمير الشعب وعليه أن يصطف بجانبه ويناصر قضاياه، مهما كانت الإغراءات والامتيازات المعروضة عليه. طبعا أنا لا أطلب من الفنان أن يناطح السلطات، لكن على الأقل في ظل هذا القمع والتسلط "اسكت"، وفي ظل المقاطعة والحصار الثلاثي، نقدر مواقف كثير من الفنانيين الخليجيين المحترمين جداً، ونضعهم فوق رؤوسنا، ولكن البعض انجرف وانزلق إلى مستنقع الحصار، بعض الفنانيين مثلا تشعر أنه مجبور على كتابة تغريدة معينة عبر وسائل التواصل، حتى تشابه الصياغة والبناء الشكلي في التغريدة، يوحي بأنها مكتوبة من قبل جهة معينة في الدولة.

* لكن الفنان صاحب رسالة، وعليه أن يلعب دورا في الأزمات وغيرها.

أنت لا تقدر أن تصدر الفنان للواجهة، في جو يقمع الجميع، لا يجوز، ثم أين المثقفين ورجال الدين؟ أعتقد أيضا جاءتهم أوامر من جهات أمنية للالتزام بقول ما يُملى عليهم، وأنا لا أطلب من المثقف وغيره الوقوف في وجه التيار، فنحن الآن في عصر الخنوع الشديد، فالصامت هو المحترم. وأجزم بأن الفنانين الخليجيين في دواخلهم غير راضين عما حصل معهم ولهم وما حصل لإخوانهم ولأهلهم في قطر.

 * أعود إلى دخولك الفني عالم مواقع التواصل، كيف رأيت التجربة، وهل لديك نية الاستمرار؟

  أصارحكم بأنه لا علاقة لي بـ"سوشيال ميديا"، وكان عندي حساب على موقع "تويتر" وألغيته، وكذلك فعلت مع" انستغرام"، لأنني عندما نشطت بكتابة التغريدات، أمضيت زهاء ثلاث سنوات من دون أن أكتب نصاً أو مشهداً مسرحياً، لأن مخزوني الداخلي أصبح فارغاً، فكل فكرة تأتيني أكتبها تغريدة في تويتر، فصرت أشعر بنفسي بأنني غير "مشحون" إبداعياً وفنياً، فقررت التوقف عن التغريد.

لكن ما حصل مع قناة "شللي يصير"، عبر يوتيوب وتقديم حلقات عبر فريق العمل، فوجئت في الحقيقة، وأقول صراحة وبعد توقفي لسنوات عن الدراما حتى عبر تلفزيون قطر، إن حلقة مدتها دقيقتين منحتني إحساسا بأني لم أنفصل لحظة عن الجمهور، وهذا العمل الذي يتناسب مع "سوشيال ميديا" جعلني ملتصق بالناس، نسيت القعدة بالبيت طيلة السنوات الماضية، نسيت الآلام.. وبعد انقشاع الأزمة - والله ينصر قطر - فلن أوقف هذا النوع من المسلسلات، وأفكر بإنجاز سلسلة من الأعمال الفنية مقدمة في سوشيال ميديا والتي تحقق نسب مشاهدة تتجاوز مشاهدة التلفزيونات الرسمية.

* هل تتوقع أن تسحب قنوات "النت" البساط من تحت الفضائيات، ولا سيما في مجال الدراما؟

 أتوقع أن يصبح "النت" أبرز قنوات الدراما في المستقبل، وألا تتجاوز حلقة المسلسل الدرامي الثلاث دقائق، لأن المتغيرات تتسارع، والأحداث تتلاحق، فليس الوقت متاحا لمسلسل 30 حلقة.

* أين الحركة المسرحية القطرية، هل هي في غرفة الإنعاش برأيك؟

 أعتقد الحركة المسرحية في قطر وضعت على طريق النجاح وطريق الظهور والازدهار، في ظل اهتمام وزارة الثقافة والرياضة من خلال إنشاء مركز شؤون المسرح، إلى جانب الدعم الكبير المعنوي والمادي. ونجح المسؤولون في مركز المسرح ووزارة الثقافة، بنقل المسرح القطري إلى مساره الصحيح، نقلوه من بُعده عن الجمهور إلى اقترابه من الناس والتصاقه بهم، وهذه هي السياسة المطبقة حاليا، وقد بدأت تظهر بوادرها من خلال الأعمال المسرحية التي قدمت وتقدم الآن للأطفال، لذلك المسألة ليست ركودا وليست إنعاشا، مسألة تغيير مسار نحو المكان الحقيقي للمسرح وهو حضن الناس.

* وماذا عن الدراما التلفزيونية القطرية؟

أنت تسألني عن شيء غير موجود، الدراما القطرية أنا لم أرها منذ 4 أو 5 سنوات، أنت تتكلم عن شيء غير موجود.

* كيف ذلك وماذا عن الأعمال التي يقدمها تلفزيون قطر؟

اسأل المعنيين في تلفزيون قطر، أنا لا أستطيع أن أتحدث عن شيء غير موجود.

 

 





المساهمون