غابت بهجة رمضان تونس

20 مايو 2020
الصورة
نشط المتطوعون في رمضان هذا العام (فتحي بلعيد/فرانس برس)
منذ بدء شهر رمضان، لا شيء يوحي في شوارع أغلب المدن التونسية بأنّنا عشنا شهر الصوم. الحركة كانت خفيفة، والهدوء خيّم على أغلب الشوارع، خصوصاً في ساعات الصباح الأولى. أغلب المحلات التجارية أغلق بسبب الحجر الصحي، ولا حركة سوى أمام محلات بيع المواد الغذائية. كانت كلّ الأيام تشبه أيام الإجازات التي تقلّ فيها حركة السيارات والمشاة.

الخوف من فيروس كورونا الجديد حلّ مكان كلّ شيء، فلا محال بيع الحلويات والألبان استقبلت زائريها، ولا عربات الباعة المتجولين حضرت لبيع منتجات غالباً ما تشهد إقبالاً في رمضان، ولا نساء تجولن لبيع منتجات منزلية الصنع. حتى الأطفال ممن يجدون في رمضان مناسبة للعمل الموسمي غابوا عن مداخل الأسواق. كلّ ذلك بسبب القيود على حركة المواطنين وإغلاق العديد من المحلات، والسماح فقط لمحلات بيع المواد الغذائية الضرورية بالعمل.



يشكو بائع الألبان سليم الشافعي، من تراجع عدد زبائنه، بسبب خوفهم من شراء الألبان غير المعلبة أو المعقمة: "على الرغم من كون التونسيين يقبلون عادة خلال شهر رمضان على شراء الألبان الطازجة، فالخوف من انتقال عدوى كورونا خفّض عدد زبائني بشكل كبير". يشير إلى أنّه "بالرغم من بلوغنا العشر الأواخر، وتخفيف الحجر الصحي، فالأجواء الرمضانية ما زالت غائبة، ولا شيء يوحي بأنّنا في شهر الصوم؛ شهر الحركة وانتعاش الأسواق".

وكانت أغلب المدن القديمة تستقبل زائريها بأعداد كبيرة خلال هذا الشهر، لأنّها تضم كثيراً من المحلات العتيقة والأسواق الشهيرة التي تتوفر فيها أغلب السلع والمواد الغذائية الطازجة. وتشهد تلك الأسواق حركة كبيرة منذ ساعات الصباح الأولى عادة، نتيجة توافد آلاف السكان من المناطق القريبة كافة للتزود بحاجياتهم، لا سيما المواد الغذائية التي تشهد إقبالاً كبيراً خلال رمضان. كلّ هذا غاب اليوم، فأغلب تلك الأسواق شبه خالية في أوقات عدّة من النهار، ولم يزرها سوى السكان المجاورين لها، ولم تنتعش الحركة التجارية فيها خلال الأيام الماضية.

كان على المواطنين انتظار رفع الحجر الصحي تدريجياً للخروج إلى الشارع وعيش ما تبقى من أجواء رمضانية. وعادت محال بيع حلويات رمضان ومشروباته وطعامه التي يقبل عليها الصائمون في الشهر الكريم، لكنّ كورونا دفع كثيرين على كراهية، إلى التخلي عن كثير من عاداتهم خلال شهر رمضان. بعضهم استمر في التوجس من شراء بعض المأكولات من الشارع أو الحلويات مخافة الإصابة بالعدوى. فعلى الرغم من تحسّن الوضع الوبائي تدريجياً في تونس وانخفاض عدد الإصابات اليومية، فإنّ العديد من الناس ما زالوا خائفين.

يقول عبد الرحمن، وهو بائع حلويات رمضانية إنّه انتظر موعد السماح له بفتح محلّه خلال النصف الثاني من شهر رمضان على غرار بعض المحال الأخرى. لكن، مع ذلك لم يشهد المحل توافد الزبائن كما كان متوقعاً: "الناس متخوفون من بعض المواد الغذائية التي تباع في الشارع، مما أثر في عمل العديد من أصحاب محلات بيع الحلويات".

وعلى غرار بقية البلدان الإسلامية، فقد رمضان تونس هذا العام تظاهرات دينية عدة، إذ غيّب الوباء عن المساجد مسابقات حفظ القرآن الكريم وتلاوته بعدما أغلقت أبوابها. وأجبر كورونا الجميع على التعبد الفردي بعدما كانت المساجد قبلة لعدد كبير من المصلين، خصوصاً خلال هذا الشهر لأداء صلاة التراويح.

كذلك، غابت هذا العام موائد الإفطار الجماعي اليومية المجانية التي كانت تقام في الميادين العامة والساحات، حيث يتناول المحتاجون وعابرو السبيل طعامهم معاً كشكل من أشكال التضامن الاجتماعي. لكن، حضرت خيام توزيع الإفطار الخيري لتقدم آلاف وجبات الإفطار اليومية للفقراء، مع توزيعها عليهم في بيوتهم تفادياً للاكتظاظ ولصعوبة تنقل المحتاجين إلى تلك الخيام، سواء التي نظمها المجتمع المدني أو بعض الأفراد بشكل تطوعي.

أجواء رمضان غابت أيضاً عن ليل تونس، فبعد ساعة من الإفطار لم تُسمع أصوات المارة ولا ضجيج السيارات. كلّ شيء هادئ، وخيّم السكون على الشوارع كافة، فيما وحدهم عمال النظافة من تجولوا فيها لتنظيفها. ويتحسر كثيرون على اضطرارهم لقضاء سهرات رمضان هذا العام في البيوت، بعدما كانت الحياة تدبّ في الشوارع والمقاهي والمحال في الليالي الرمضانية بعد الإفطار. كان الكلّ يتسابق بعد دقائق من الإفطار للوصول إلى المقاهي، خصوصاً القديمة، حيث يقام مهرجان المدينة الذي يعقد سنوياً في المدينة العتيقة في العاصمة. لكنّه غاب أيضاً هذا العام بسبب حظر التجول الليلي.



ومن أهم العادات المجتمعية المتأصلة في تونس، خصوصاً في شهر رمضان، والتي غابت هذا العام، تبادل الزيارات العائلية، وإعداد مختلف الأطباق التقليدية لاستضافة الأهل والأصدقاء. ولم تجد العائلات والأصدقاء سوى وسائل وتقنيات التواصل والاتصال الحديثة للاطمئنان بعضهم على بعضهم من خلالها.
تعليق: