عين العرب.. حرف مسار التغيير

28 أكتوبر 2014
الصورة

لاجئ من عين العرب- كوباني يشاهد آثار الاشتباكات (25أكتوبر/2014/الأناضول)

تتدحرج منجزات النظام السوري، الواحد تلو الآخر، مجبولة بدماء بريئة، في كل مرة يتمكن فيها من جر فصول مجريات أحداث الربيع العربي على الجبهة السورية إلى ساحته الشيطانية، وجديدها فصل معركة عين العرب - كوباني التي كانت تندرج، بداية، ضمن مسعى التحالف الغربي- العربي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وإذا بها تصير رأس الجبل الجليدي لحزمةٍ لا متناهية من الأزمات والصراعات التاريخية، المتجذرة في المنطقة ذات الطابع العرقي والقومي والديني والطائفي. وفي الأثناء، يختفي من المشهد كله الصاعق الذي فجرها جميعاً، متمثلاً بالصراع على سلطةٍ، يشهد القاصي والداني بعفونتها، وبضرورة تغييرها، وفتح الآفاق أمام عملية سياسية طبيعية، قوامها التبادل السلمي للسلطة، في ظل مفردات دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

وللتذكير فقط، عمد النظام، لمّا لم يكن قد مضى على الثورة السورية الحديثة سوى ستة أو سبعة شهور إلى حرف مسار الثورة السورية الحديثة، من خلال عسكرة المواجهة بينه وبين أبناء الشعب السوري، ممن انخرطوا في صفوفها، منادين بالحرية والكرامة، وليس الخبز في فصل، أول من فصول، التشبيح الذي  تتقنه جيداً أجهزته الأمنية وفرقه العسكرية الخاصة، وأزلامه عديمو الأخلاق، وذلك قبل أن يولج الطموح السوري في التغيير السياسي إلى أتون التدخل الخارجي الذي جلب معه ميليشيات عسكرية، وشبه عسكرية، من دول الجوار، من لبنان والعراق وإيران، وتجمع هؤلاء مع النظام مفردة الطائفية البغيضة التي صبغت هذا الفصل من المشهد المتواصل، متداخلاً مع فصل آخر، ومنجز آخر يسجل للنظام بعد أن تمكن من إدامة معركة عين العرب هذه الفترة الطويلة نسبياً، وصارت الأضواء مسلطةً على طرفين فقط يتنازعان المواقع في هذه المدينة السورية الصغيرة، القوات الكردية وقوات داعش، مغيباً عن المشهد قوات تتبع لفصائل مسلحة أخرى من الثورة السورية، كانت قد بدأت حربها ضد هذا التنظيم، قبل معركة عين العرب بزمن طويل.

وبينما انطلقت عمليات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية كردة فعل على المنجز العسكري، المقابل للتنظيم في العراق، حين تمكن من السيطرة على ثالث مدن العراق ومنطقة الأنبار، وأصبح على مشارف بغداد، ها هو النظام السوري يحقق منجزه الجديد في جعل قوى التحالف تغرق في مستنقع مدينة كرديةٍ صغيرةٍ، أصبحت على ما يبدو تشكل عنوان الفصل الجديد من الصراع الدامي في سورية، عنواناً لم يعد ممكناً تخطيه في الأفق المنظور، جراء حسابات معروفة لدول الإقليم، وفي مقدمتها تركيا التي اختزلت حدودها الممتدة مع سورية على طول 800 كيلومتراً ببضع آلاف الأمتار التي تحدها مع عين العرب، أسوة باختزال أهداف قوى التحالف الغربي العربي نفسها في محاربة قوى التطرف.

طبعاً، ما كان للنظام السوري أن يحقق هذه المنجزات غير القليلة، في طريق حرف مسار الثورة، لولا إدراك مراكز الاحتكار العالمية ووكلائها في الشرق الأوسط الخطر المحتمل في حال حققت الثورات العربية أهداف الربيع العربي، وبدأنا نرى العروش تتهاوى، واحداً تلو الآخر، ما يفسح، في المجال، أمام إمكانية ضبط إيقاع عملية النهب، المتواصلة منذ الربع الأول من القرن الماضي، لثروات المنطقة، والاستحواذ على مقدراتها ومصائر شعوبها.

هل قوى التحالف بهذا الغباء، لكي تنجر وراء سياسات نظام تعتبره، في العلن، ساقطاً شرعياً؟ بالطبع لا. لكن عملية مفاضلة بسيطة بين مآلات استحقاق التغيير السياسي وما تنطوي عليه من تهديدات حقيقة لما رسمته مراكز الاحتكار العالمية للمنطقة، طوال عقود من جهة، وبين الإبقاء على الوضع الراهن على ما هو عليه، رغم الجراحات والدماء النازفة بغزارة من الجهة الأخرى، تدفع باتجاه مواصلة اتباع استراتيجيات الهيمنة بالحديد والنار، وليس بالفكر والحوار، ولو كان ذلك على حساب سقوط المنظومة الأخلاقية في الديمقراطيات الغربية، التي دأبت على الكيل بمكيالين، عندما يتعلق الأمر بالفصل بين سياساتها الداخلية وسياساتها الخارجية، على غرار ما يحدث في الدولة العبرية، من فصل عنصري بائن، بينما تدّعي أنها إحدى أهم معاقل الأنظمة الديمقراطية في العالم.

لكن، هل يكفي للخروج من هذا النفق أن نتوقف عند هذا التحليل المبسط ظاهرياً؟ وحتى لو سلمنا بذلك، ما الأدوات الكفيلة لإنجاز ذلك؟ سؤالان يندرجان ضمن قائمة طويلة من أسئلة تفتقر مراكز الاحتكار الدولية للارادة الفكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية إلى الإجابة عليها، أما إذا ما توافر الحد الأدنى من تلك الإرادة العرجاء، حتى اللحظة، فإن منطلق طريق الخلاص واضح، ومستهله قراءة حقيقية صادقة لمشهد التطرف المتنوع المشارب، والذي يعم العالم بأسره، وليس منطقة الشرق الأوسط فحسب، قراءة تفضي، بالضرورة، إلى تشخيص المرض كما هو، وليس كما يرغب صانعو القرار في تلك المراكز.

وبما أن الحديث، هنا، يدور حول التطرف والإسلام السياسي، كما يقال، فإن تشخيص هذه الحالة يفضي إلى سببين رئيسين، يقفان وراء هذا المد العنفي العارم: الأول يتعلق بطول عمر الاستبداد، وانسداد أفق التغيير السياسي نحو كيانات سياسية ديمقراطية في بلدان المنشأ، باتت تشكل استحقاقا تاريخياً. والثاني لا يخرج عن دائرة إيقاظ نعرة الانتماءات الضيقة في بلدان المهجر، من خلال تنامي ظاهرة كراهية الأجانب واستشراسها، فالعنف لا يولد إلا نفسه، في نهاية المطاف.

كلمة أخيرة، إن جمهور الحراك المتطرف حول العالم عريض، شئنا أم أبينا، وهذا جزء على جانب كبير من الأهمية لتشخيص الحالة، وبالتالي، من الغباء حجب هذه الحقيقة، بالنظر إليها من غربال سياسات فوقية متعالية على الواقع، ينتجها التحالف الغربي- العربي، لمحاربة قشرة من قشور التطرف في المنطقة العربية والعالم.