عيد موكا في اليمن

05 مارس 2019
+ الخط -
"بُن اليمن يا دُرَرْ
يا كنز فوق الشجر
من يزرعك ما افتقر".
هذه الكلمات العظيمة للشاعر، مطهر الإرياني، صدح بغنائها الراحل، علي الآنسي. جميعنا يسمعها ويطرب لرّنة كلماتها ويتباهى بما تملكه بلاده من كنز عظيم. البن اليمني أو كما يُسمّى بالذهب الأخضر له قيمته التاريخية منذ قرون كثيرة، بدءًا من القرن التاسع ميلادي وفقًا لبعض المؤرخين، إذ لا يوجد مصدر يحدّد بدقة بداية ظهور البن اليمني، ورغم شحّة إنتاجه وقلّة زراعته لأسباب كثيرة، سيظل الأول عالميًا والأجود والأشهى مذاقًا.
في صباحات الإجازات الصيفية في صنعاء، كنا ننطلق نحن صغار العائلة برفقة جدي إلى مقهى أحد أصدقائه والموجود في باب شعوب، كنا نشرب البُن اليمني في صباحات ندّية بوسط صنعاء القديمة، كان يشتد الزحام من أجل الحصول على كوب من البن الطازج، وكبرنا على رائحته وتشرّبت أجسادنا به، فكيف لا نراه هو الأشهى والأعظم مذاقًا من بين أنواع كثيرة سعت لمنافسة هذا الذهب الأخضر.
إلى الآن والحرب لم تنته في اليمن، وما زال الصراع قائمًا وسماء اليمن ملبّدة بالبارود، إضافة إلى ذلك لا نعرف ما هو مستقبل البلد، فالأيام تمضي تعيسة أو سعيدة بحرب أو بسلم، ومثل طائر العنقاء الذي يخرج من بين الرماد، يظهر مجموعة من الشباب اليمنيين الممتلئين طاقة وحيوية من بين كل هذا النزاع لإحياء زراعة البن والتشديد على العودة لزراعته، باعتباره الأمل الوحيد المتبقي لهم في كل هذا الضياع.
جاءت الفكرة برعاية ما يسمى "نقابة الموالعة اليمنيين" الذي قام بتأسيسها مجموعة من الأفراد حين لم يجدوا دولة، قاموا بصنع دولة صغيرة يسعون من خلالها لعمل مشاريع صغيرة بأيدٍ يمنية لها أهدافها الواضحة والنبيلة والوطنية. ومن اللافت أن تلك الفكرة ليست اعتباطية أو عشوائية، بل فكرة مدروسة وفق خطط واضحة وأهداف على مدى سنوات.
سعى أصحاب فكرة "عيد موكا" إلى تدشين فعاليات هذا العيد بجعله يومًا وطنياً من كل عام، وتم اختيار الثالث من مارس لهذا العيد. بدأ العمل على تنفيذ الفكرة منذ بداية شهر فبراير عبر مراحل. كانت المرحلة الأولى تقتضي زراعة ألف شتلة بُن قابلة للزيادة، وتأتي المرحلة الثانية لجمع التبرعات من الأفراد ومن المؤسسات الخاصة، وحدث بالفعل، حيث تم جمع ما يقارب المليون ريال يمني من أجل يوم البن، تميّز أصحاب الفكرة بالشفافية والوضوح، حيث تمّ الإفصاح والنشر عن كل مبلغ تم التبرع به من أجل شراء الشتلات وتوزيعها على المزارعين في الثالث من مارس، وهذا ما ميّز الفكرة صراحة ووضوح أهدافها، وعدم السعي للربح أو المنفعة الشخصية.
اتّسعت الفعالية من زراعة ألف شتلة وأكثر إلى ندوات علمية أُقيمت في إحدى الجامعات اليمنية للحديث عن تاريخ البن وعن أهمية زراعته، والعودة به إلى مكانته التاريخية، والعائد الذي يمكن الحصول عليه لو عادت اليمن لزراعته وإحياء مجده، إضافة إلى اللافتات والملصقات التي انتشرت في عموم محافظات الجمهورية بجهود نقباء كل مدينة وتحت إشراف نقابة الموالعة اليمنيين.
حين كانت الفكرة وطنية يمنية هبّ الجميع لمساندتها بطرق كثيرة، منها الكتابة عبر وسائل التواصل الإجتماعي، والهشتاغات بأكثر من لغة لإيصال هذا العيد للعالم، أيضا مبادرة بعض المقاهي اليمنية في الثالث من مارس لتقديم القهوة مجانًا في هذا اليوم. إنه يوم وطني بامتياز، لا أحقاد فيه، ولا سياسة، ولا كراهية، إنه يوم يتجمّع فيه الجميع لهدف واحد وفكرة جامعة. نعم لزراعة البن، نعم لعودة البن اليمني للصدارة، نعم لهؤلاء الشباب الذين يحاولون النجاة بوطنهم، وتقديم صورة عن اليمن التي تشوّهت ملامحها في خضم هذه الحروب البائسة.
559B0835-9340-4E8B-B286-62F582C7C98F
إجلال البيل (اليمن)