عيد داخل البيوت في الأردن

24 مايو 2020
الصورة
شراء ما يلزم للعيد (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)

عيد الفطر في الأردن هذا العام مختلف عن الأعوام السابقة، أو ربما من الأصح القول إنه لا يشبه أي عيد آخر. حظر التجول الذي فرضه كورونا في البلاد جعل الناس ملزمين بالبقاء في بيوتهم خلال العيد... بلا أي طقوس

لم يعرف الأردنيّون واقعاً مختلفاً بالمقارنة مع كثير من البلدان الأخرى خلال العيد في ظلّ حظر التجوّل. الأمر غريب بالنسبة للناس الذين لم يعتادوا أمراً مماثلاً. حلّ العيد بلا طقوس. صلّى الناس في المنازل، والأطفال لم يخرجوا للعب، وتبادل الناس التهاني على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأعلن وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام أمجد عودة العضايلة في العشرين من الشهر الجاري فرض حظر تجوّل شامل لمدّة ثلاثة أيّام بدءاً من منتصف ليلة الخميس ـ الجمعة وحتى منتصف ليلة الأحد ـ الإثنين. وخلال هذه الأيام، يمنع خروج المواطنين من منازلهم بشكل كامل، باستثناء الأطباء والممرضين في القطاعين العام والخاصّ، وفرق التقصّي الوبائي، وعدد محدود من الموظّفين اللازمين لإدامة عمل بعض المؤسّسات الحيويّة، وذلك في ضوء تطوّرات الوضع الوبائي في المملكة، وارتفاع عدد الإصابات بشكل ملحوظ خلال الأيّام الماضية، على أن يعود الأردنيون إلى أعمالهم غداً بعد انتهاء عطلة عيد الفطر.




ويقول سميح الرواشدة لـ "العربي الجديد": "قيّدنا بأوامر حظر التجول وعدم استخدام السيارات. هو عيد بلا صلة رحم حقيقية لأن العيد فرصة للتواصل مع الأقارب وليس الجيران فقط. لكن تعليمات الحكومة مشددة على الرغم من أن انتشار الفيروس ليس كبيراً"، مشيراً إلى أنه كان من الممكن السماح بصلاة العيد في ساحات واسعة مع تأكيد ضرورة التقيد بتعليمات التباعد الاجتماعي. ويوضح أن شراء احتياجات العيد كان صعباً في ظل الطقس الحار، ما جعل الخروج خلال ساعات النهار أمراً صعباً. كما أن السماح بالتسوق لبعض الوقت بعد الإفطار غير كافٍ. يضيف: "لا بديل غير التحايل على الأطفال من خلال الملابس والألعاب الجديدة".

أما محمد سعيد، فيوضح لـ "العربي الجديد" أن فيروس كورونا "سرق عيدنا"، قائلاً إن "الإجراءات الحكومية الصارمة هي لمصلحة المواطنين وحماية الصحة العامة"، ومؤكداً أن على الجميع التكيف مع الأوضاع وخلق الفرحة داخل البيوت حتى لو كانت منقوصة. يتابع أن "وسائل التواصل الاجتماعي ستكون الملجأ لتقديم التهاني للأقارب والمعارف. صحيح أنه لا حميمية كما في اللقاءات المباشرة، إلا أن هذا حالنا جميعاً بسبب الظروف المستجدة".

وبالنسبة لهند العبادي، فقد كان همّها ألّا يتأثر الأطفال. تقول لـ "العربي الجديد" إن "فرحة العيد ترتبط بشكل أكبر بالأطفال. لذلك، اشتريت لهم ملابس جديدة فكل الذي يحدث من حولنا لا يعنيهم"، مضيفة أنها تحاول التأقلم مع الظروف المرافقة لجائحة كورونا. وتشير إلى أنها اعتادت قضاء العيد مع عائلة زوجها التي تعيش خارج العاصمة، ما دفعها وأسرتها إلى التوجه إلى هناك قبل بدء حظر التجول.

أما أشرف حسن، وهو صاحب صالون حلاقة للرجال، فيقول لـ "العربي الجديد" إنه ينتظر العيد في كل عام، خصوصاً أن العائد المالي يكون جيداً. لكن هذا العام، كان الإقبال على قص الشعر محدوداً من قبل الأطفال والرجال. يضيف أنه عادة ما لا تغلق صالونات الحلاقة أبوابها قبل أسبوع من العيد، إلا أن الأمر كان مختلفاً هذا العام، و"الخسائر تزداد".

ومثل حسن، يقول محمد أبو أحمد، وهو صاحب محل لبيع الملابس لـ "العربي الجديد"، إن الإقبال على شراء الملابس كان ضعيفاً، والشراء شبه محصور بملابس الأطفال. ويرى أن طبيعة الحركة تكشف عن المصاعب المالية التي يعانيها الناس إضافة إلى حظر التجول. "من يجلس في البيت لن يحتاج أن يرتدي أكثر من بيجاما".

في هذا الإطار، يقول عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين لـ "العربي الجديد": "لا شك في أن المناسبات الدينية في مجتمع عربي مسلم ذات جذور قوية في العقل الجمعي للناس، خصوصاً أنها متواترة من جيل الى جيل وتنتقل بالإلزامية، فجذورها دينية ووسائل التعبير عنها اجتماعية لناحية المضامين، وأشكال التعبير عن الفرح تمثل تفاعلاً اجتماعياً متداخلاً بين حدين غالباً هما أهل معيل الأسرة والأنسباء بالدرجة الأولى، ما يجعل صعباً عدم أداء الواجبات المتبادلة فيها، حتى وإن كان هناك قرار بالحظر". يتابع: "إلزامية التقاليد أقوى من القانون الطارئ. لذلك، نجد أن التحدي يكمن أيضاً خارج الإطار السابق ليتسع ويشمل الجيران والمعارف في المنطقة الجغرافية"، لافتاً إلى أن هذا البناء التفاعلي بجذوره الدينية ومظاهره الاجتماعية تصعب محاصرته.

ويوضح أن المجتمع الأردني يُقسّم إلى أربعة أنماط من العلاقات الاجتماعية، منها "العلاقات في البادية، وهي علاقات قوية وجاهية ومترابطة، لكنّها أقل وهجاً مما هي عليه في الريف، بحكم التقارب والعمل المشترك عبر فصول السنة، ما يجعل من العلاقات الاجتماعية حالة قوية لناحية التفاعل وتبادل التهاني والتزاور. وما يميّز الريف والبادية بُعدهما عن الدولة المركزية. وتمثل علاقات الناس نوعاً من التضامن الاجتماعي وهنا يتعذر إلزام الناس في البادية والقرى بحظر التجول".

يضيف محادين: "لدينا أيضاً ثقافة المدن، وهي في العادة تقوم على التباعد وتبادل التهاني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويعتبر أهل المدن أيام العيد للراحة والجلوس مع الأسرة، خصوصاً إذا كان الوالدان يعملان، وهم الأقرب التزاماً لحظر التجول".

أما الحالة الرابعة فهم سكان المخيمات. ويوضح أن علاقاتهم الاجتماعية أقرب للريف، وهو ما يسمى بالتريف الحضري، فالعلاقات تقوم على الوجاهية بين سكان المباني المتلاصقة، وهي ذات روابط عالية، ما يتعذر معه على مطبقي القانون أن يكون هناك التزام كما يتوقع. ويرى أن درجة التزام الناس بقانون الحظر ستكون متفاوتة، ويتعذر أن يقف أي قرار استثنائي أمام قدسية هذه المناسبات ومظاهرها الاجتماعية، خصوصاً أن هذا القرار جاء بعد حجر استمر أكثر من شهرين وصل فيه الإحساس الجمعي بين الناس إلى منسوب عالٍ من التوتر. يضيف: "ما شهدناه مؤخراً من تلاصق بين الناس في الأسواق وبأعداد ضخمة وسيارات متحركة وإقبال على الشراء هو شوق داخلي عند الناس لكسر رتابة المدة الزمنية الماضية التي اختبر فيها الناس كل أشكال التوتر والشروط الحكومية القاسية المرتبطة بالتباعد الجسدي".




ويتابع: "يصعب شراء الملابس والحلويات والبقاء في البيت. هذا يمثل منغصاً للوجدان الشعبي والضمير الجمعي لدى الأردنيين على الرغم من معرفتهم بخطورة الوضع بسبب فيروس كورونا"، لافتاً إلى أن "الذاكرة الجمعية لا تخدم أياً من المعطيات المرتبطة بالحظر، فالتأرجح الجمعي يجعل من الصعوبة معرفة تصرفات الناس في ظل غياب تجارب سابقة مماثلة للحظر".
تعليق: