عيادات الصحة النفسية "مزدهرة" في مصر

08 يونيو 2017
الصورة
أعباء المعيشة تتضاعف على المصريين (كريس ماكغراث/ Getty)
تسبّبت الظروف السياسية والاقتصادية، لا سيّما غلاء المعيشة، والتي تمرّ بها مصر في الوقت الحالي بإصابة عدد كبير من المواطنين بالاكتئاب. فوجد هؤلاء أنفسهم يهربون من واقع لم يتمكنوا من التعايش معه وراحوا يلجؤون إلى عيادات نفسية ومصحّات لتلقّي العلاجات المناسبة. ويُلاحظ أنّ قاصدي تلك الأماكن هم من الشباب المحبطين الذين يعانون من ضغوط اجتماعية متعلقة بالوظائف والسكن.

العيادات الخارجية في البلاد تشهد كذلك إقبالاً كبيراً في هذه الأيام من قبل مصريين يعانون من القلق أو الخوف أو الهلع أو الاكتئاب. تجدر الإشارة إلى أنّ التردّد على تلك العيادات بات علنياً بعدما كان سراً في الماضي خوفاً من "الفضيحة".

وكشفت إحصائية رسمية صادرة عن الأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة المصرية، تزايد عدد المرضى النفسيين مع بداية العام الجاري بالمقارنة مع الأعوام السابقة، سواء في ما يتعلق بالذين يحتاجون إلى استشفاء فيدخلون إلى المستشفيات التابعة لها أو الذين يقصدون العيادات الخارجية في المستشفيات الخاصة والعيادات الخاصة.

وأفادت الإحصائية بأنّ إجماليّ عدد مرضى الدخول في المستشفيات التابعة للوزارة بلغ 20 ألفاً و498 مريضاً، في حين بلغ إجمالي عدد المرضى المترددين على العيادات الخارجية والعيادات الخاصة 30 ألفاً و152 مريضاً، ليصل إجمالي المرضى النفسيين إلى أكثر من 50 ألف مواطن. وبيّنت الإحصائية أنّ خلال شهر مارس/ آذار الماضي سُجّل أكبر عدد للمترددين على العيادات النفسية، بزيادة تصل إلى أكثر من 20 في المائة بالمقارنة مع العام الماضي.

وفي مستشفى العباسية للأمراض النفسية، يُسجَّل العدد الأكبر في المرضى الذين يتردّدون إليه بصورة يومية، يليه مستشفى المعمورة في الإسكندرية.

ويوضح خبراء أنّ مخاطر الاكتئاب على الشخص الذي يعاني منه تتمثل في احتمال إصابته بداء السكري وأمراض القلب، كذلك يرتبط الأمر بالانتحار الذى يحصد مئات الآلاف سنوياً. والمكتئب يبدو حزيناً دائماً فيما يفقد الاهتمام بكل نواحي الحياة، بالإضافة إلى تغيّر نمط النوم لديه (إمّا لفترات طويلة أو قصيرة) وشعوره بالقلق الدائم واليأس والتفكير الدائم في إيذاء النفس والانتحار.

وتؤكد تقارير طبية مصريّة أنّ أكثر من مليون مصري يعانون من الاكتئاب، ما بين 40 و60 في المائة منهم يقصدون الطبيب الممارس، إذ يشعرون بآلام في الجسم، لا سيّما في الظهر والمفاصل، بالإضافة إلى صعوبة في الهضم وحالة انتفاخ وتسارع نبضات القلب وارتفاع ضغط الدم. ومصر مُدرجَة على قائمة الدول العربية الكبرى التي تُسجَّل فيها أعلى نسب انتحار بسبب الاكتئاب، إذ ينتحر أربعة أشخاص من بين كلّ 100 ألف شخص يومياً. ويلفت تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أنّ عدد الذين أقدموا على الانتحار في مصر ارتفع من ألف و160 شخصاً في عام 2005 إلى ثلاثة آلاف و700 ثم وصل إلى أربعة آلاف و200 في عام 2008 ليتخطّى خمسة آلاف شخص في عام 2016.

في السياق، يقول أستاذ الطب النفسي في جامعة المنصورة الدكتور محمد عادل الحديدي إنّ "عدد المصابين بمرض الاكتئاب زاد بصورة كبيرة في مصر خلال الفترة الأخيرة لتصل نسبة الإصابة به إلى نحو 40 في المائة من السكان"، مؤكداً أنّ "سبب ذلك يعود إلى الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها أسر كثيرة والفقر وتضاعف أعباء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة إلى حدود غير مسبوقة. وهو ما يدفع عدداً منهم إلى الانتحار". ويوضح أنّ "معدلات الانتحار ارتفعت في مصر، ومعظمها لدى من تراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، ومن الذكور".

من جهتها، ترى خبيرة علم الاجتماع الدكتورة عزة كريم أنّ "المصري الذى كان يمتاز بالضحك وبأنّه ابن نكتة، تبدّلت أحواله كثيراً نتيجة الضغوط. فابتعد عن الضحكة والابتسامة بسبب توتّر الأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية من حوله، والتي كانت سبباً في إصابة مصريين بعدد كبير من الاضطرابات والأمراض النفسية، في مقدّمتها الاكتئاب. يُضاف ذلك إلى عدم توفّر الوقت الكافي للاسترخاء بهدف التخلص من الشعور بالتعب والإرهاق والتوتر. وهو ما يجعل المصري غير قادر على مواجهة المشكلات ويصبح فريسة للخوف والتوتر. وربما يؤدّي ذلك في بعض حالات الاكتئاب المزمن، إلى التفكير في الانتحار".

وتشير كريم إلى أنّ "ارتفاع معدّل الجرائم في مصر يُعدّ نتيجة طبيعية لكلّ ما يمرّ به المجتمع من ظروف اقتصادية صعبة تسبّبت في انتشار الإحباط والاكتئاب والقلق والتوتر. فقد ازداد عدد المضطربين نفسياً داخل المجتمع، فضلاً عن انتشار حالات الانتحار والاكتئاب والإحباط لدى معظم فئات المجتمع ومنهم الشباب خصوصاً".