عودة المناوشات الأميركية الروسية حول حلب تطيح لقاءات جنيف

عودة المناوشات الأميركية الروسية حول حلب تطيح لقاءات جنيف

06 ديسمبر 2016
الصورة
أكدت أنقرة تطابق مواقفها مع موسكو من "محاربة الإرهاب"(Getty)
+ الخط -


خلط الاتهام الروسي للولايات المتحدة بالتراجع عن رعاية ودعم مسعى روسيا لإخضاع حلب كاملة وطرد مسلحي المعارضة السورية وربما مدنييها من شرقها، المشهد السوري بشكل كامل، في ظل استمرار تصعيد موسكو ونظام بشار الأسد ميدانياً، وإفشال أي محاولة لتهدئة الأوضاع، وهو ما تُرجم بإسقاط مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي لهدنة مؤقتة في حلب بفيتو روسي وصيني مزدوج مساء الاثنين. إلا أن واشنطن لم تتأخر في الرد ونفي الكلام الروسي عن "خطة جديدة" لانسحاب فصائل المعارضة من حلب. تأتي هذه التطورات في ظل ما يبدو تسليماً غربياً بسقوط حلب، وتلويحاً بتوجّه سورية نحو التقسيم، وفق كلام لوزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، مقابل كلام لافت لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم من موسكو اعتبر فيه أن الصراع السوري بدأ يتجه نحو التسوية. ونقلت قناة "روسيا اليوم" التي تعتبر بمثابة وسيلة إعلامية ناطقة بلسان السلطة، عن يلدريم، بعد لقائه نظيره الروسي دميتري مدفيديف في موسكو يوم الثلاثاء، إعلانه تطابق مواقف أنقرة وموسكو من "محاربة الإرهاب"، مؤكداً استعداد تركيا للعمل على الفصل "بين الإرهابيين والمعارضة المعتدلة في سورية". وقال يلدريم في تصريحات صحافية بعد اللقاء وفق الوكالة: "نتحرك نحو المخرج (من الحرب السورية)"، مؤكداً أن الطرفين يمنحان الأولوية لتطبيع الوضع في سورية، باعتبار أن ذلك سيصب في مصلحة المنطقة برمتها. كما شدد على استحالة تقرير مستقبل سورية إلا عبر حوار سوري-سوري داخلي.

من جهته، أكد مدفيديف أن الحوار الروسي-التركي حول سورية عاد إلى سابق عهده، معبراً عن ثقته من مواصلة الاتصالات بهذا الشأن في المستقبل. وأضاف: "في ما يخص الوضع الإنساني والمسائل الأخرى، بما في ذلك محاربة التنظيمات الإرهابية، التي وجدت مأوى لها في أراضي سورية، فلدينا اتصالات لا بأس بها بهذا الشأن، وهي ليست بين الرئيسين فحسب، بل وبين العسكريين والأجهزة المختلفة".

في غضون ذلك، وبعد يوم واحد من استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لعرقلة مشروع قرار مصري-إسباني-نيوزيلاندي في مجلس الأمن الدولي، يدعو إلى وقف القتال وإعلان هدنة لا تقل مدّتها عن سبعة أيام، وتسهيل دخول مساعدات إنسانية للمحاصرين في شرقي حلب، عاود وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وعيده لمقاتلي المعارضة في حال عدم انسحابهم من أحياء يسيطرون عليها في شرقي حلب، الأمر الذي اعتبرته المعارضة السورية السياسية إغلاق باب الأمل بحل سياسي.

وأعلن لافروف فشل مبادرة نظيره الأميركي جون كيري حول تسوية الأزمة في حلب بعد سحب الجانب الأميركي اقتراحاته بهذا الشأن. وقال لافروف في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لمجلس أوروبا ثوربيورن ياغلاند في موسكو يوم الثلاثاء: "أبلغتنا (واشنطن) (الإثنين) أنهم لا يستطيعون عقد اجتماع للتشاور بشأن حلب لأنهم غيروا موقفهم. إنهم يسحبون وثيقتهم ويطرحون الآن وثيقة جديدة. والوثيقة الجديدة هذه، بحسب انطباعاتنا الأولى، تعيد الوضع إلى ما كان عليه، وتبدو وكأنها محاولة لكسب الوقت لكي يرتاح المسلحون ويتزودوا بالإمدادات". وبدا كلام لافروف إحالة إلى الاجتماعات التي كانت مقررة بين "الخبراء" الأميركيين والروس في مدينة جنيف الثلاثاء والأربعاء لوضع آلية ما تسميه واشنطن وموسكو إخراج المسلحين المعارضين كافة من شرقي حلب.

وأشار إلى فشل إقامة "حوار جدي" مع الولايات المتحدة بشأن حلب، قائلاً إن الجانب الأميركي يتراجع للمرة الثانية منذ بداية سبتمبر/أيلول الماضي عن التوصل إلى اتفاق حول تسوية الأزمة في حلب. وأضاف لافروف أنه لا يفهم مَن يتخذ القرارات في واشنطن، مشيراً إلى أن "هناك، على ما يبدو، قوى تسعى إلى الإساءة لشخص جون كيري". ورداً على سؤال حول رفض مقاتلي المعارضة في شرق حلب الخروج منها، قال إن "اقتراح خروج المسلحين ليس مطروحاً حالياً، لأن روسيا والولايات المتحدة لم تتوصلا إلى اتفاق بهذا الشأن"، مجدداً التهديد بأن "المسلحين الرافضين للخروج من شرق حلب سيتم القضاء عليهم". لكن كيري نفى أن تكون واشنطن رفضت عقد لقاء مع روسيا لبحث خطة خروج مقاتلي المعارضة من مدينة حلب. وقال كيري على هامش اجتماع وزاري لحلف شمال الأطلسي في بروكسل يوم الثلاثاء: "لست على علم بأي رفض محدد أو ما هي هذه الخطة الجديدة" لحلب بشأن احتمال خروج مسلحي المعارضة من الأحياء الشرقية.

وترافق ذلك مع تهديدات من النظام السوري، الذي رفض أي محاولة لوقف إطلاق النار شرقي حلب ما لم تتضمن خروج جميع "الإرهابيين" منها. وقالت وزارة خارجية النظام في بيان إن "سورية أكدت أنها لن تترك مواطنيها في شرق حلب رهينة لدى الإرهابيين وستبذل كل جهد ممكن لتحريرهم"، مؤكدة أنها "ترفض اي محاولة من أي جهة كانت لوقف إطلاق النار شرق حلب ما لم تتضمن خروج جميع الإرهابيين منها". مقابل ذلك، رأت المعارضة السياسية السورية أن تصريحات لافروف أكدت الهدف الحقيقي للتدخّل الروسي العسكري في سورية منذ أكثر من عام، وهو حماية نظام بشار الأسد من السقوط، وأن محاربة الإرهاب كان الذريعة لهذا التدخّل الذي تسبّب بمقتل وإصابة وتهجير عشرات آلاف السوريين، وتدمير مرافق حيوية.
وقال المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات رياض نعسان آغا، رداً على تصريحات لافروف: "روسيا تعترف الآن بحقيقة موقفها، وكونها لا تحارب الإرهاب، وانما تحارب الشعب والثوار والمعارضة الوطنية". وأعرب نعسان آغا في تصريحات لـ"العربي الجديد" عن قناعته بأن روسيا التي "كانت تقدّم نفسها وسيطاً للحل السياسي"، بعد تصريحات لافروف "تغلق باب الأمل بحل سياسي وتؤكد كونها مع الحسم العسكري فقط"، مشيراً إلى أن هذا "يعني أنها تتوعد بمزيد من المجازر والتدمير" وفق قوله.



واتهمت المعارضة السورية روسيا بتعطيل قرارات أممية ذات صلة بالقضية السورية، كان آخرها القرار 2254 الذي صدر أواخر العام الفائت ودعا في شقه الإنساني إلى فك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين. وذهب نعسان آغا إلى القول: "مجلس الأمن كله معطّل بشهادة أعضائه الكبار بسبب الفيتو الروسي". واستخدمت روسيا حق النقض ست مرات منذ بدء الثورة السورية في مارس/آذار 2011، مجهضة مشاريع قرارات آخرها المشروع المصري الإسباني النيوزيلاندي، وقبله مشروع فرنسي شبيه، كانت تهدف إلى وضع حد للمأساة السورية، وتمهيد الأرضية للتوصل لتسوية سياسية. وأكدت مصادر في المعارضة السورية أن موسكو لا تريد جسماً سياسياً متماسكاً يمثّل المعارضة السورية، ويوحّد رؤيتها، لذا عملت على تشكيل "معارضات" بديلة سرعان ما اكتشفت أنها بلا رصيد شعبي، ولا يعوّل عليها في تأكيد صدقية أي تسوية لدى الشارع السوري، تكرّس الامتيازات الروسية في سورية والتي تكاد ترقى إلى مستوى الاحتلال العسكري المباشر. ولم تنجح جهود إقليمية من أجل جمع المعارضة السورية والروس على طاولة واحدة بسبب رفض موسكو التخلي عن دعم الأسد الذي قوّض مفاوضات فيينا في أبريل/نيسان الماضي إثر رفضه مناقشة مبدأ الانتقال السياسي الذي دعا إليه بيان جنيف في عام 2012.

في هذه الأجواء، حذر وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت من أن احتمال تقسيم سورية يلوح في الأفق، متحدثاً عن جزء "سورية المفيدة" الذي سيكون تحت سيطرة النظام وحلفائه، والآخر سماه "داعشستان" تحت سيطرة تنظيم "داعش". وفي ما بدا تسليماً بمصير حلب، قال أيرولت في مقابلة مع إذاعة "آر إف إي": "ليس لأن حلب ستسقط خلال أسابيع، سيتم حل قضية السلام". وأضاف الوزير الفرنسي: "هناك منطق الحرب الإجمالي الذي يسعى للاستيلاء على كل سورية المفيدة" التي تشمل غرب البلاد والمنطقة الممتدة من حلب إلى دمشق ومنطقة اللاذقية الساحلية ومدينة حمص. وتابع "هذا الوضع المأساوي سيزداد سوءاً". واعتبر أن "هذه الفوضى تهدد الاستقرار في المنطقة ولا تسمح بالقضاء على تهديد داعش". وشدد على أن الحل الوحيد هو إجراء مفاوضات سياسية، مؤكداً أن "المسار العسكري يؤدي إلى فوضى دائمة في هذه المنطقة". ومن المنتظر أن تستضيف باريس السبت المقبل اجتماعاً دعا إليه أيرولت يضم الولايات المتحدة ودولاً أوروبية وعربية، لمناقشة الملف السوري.

في غضون ذلك، اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن عجز المجتمع الدولي عن مساعدة حلب "عار". وحمّلت في خطاب أمام مؤتمر حزبها "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" يوم الثلاثاء، روسيا وإيران مسؤولية دعم نظام الأسد "في تحركه الوحشي ضد شعبه". وتعليقاً على هذه التطورات، رأى المحلل السياسي السوري محمود الحمزة، أن الروس "باتوا اليوم في ورطة حقيقية"، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن واشنطن "نصبت فخاً لروسيا في سورية ووقعت فيه". وأعرب الحمزة، المختص بالشأن الروسي، عن قناعته بأن التراجع الأميركي عن مقترحات كيري بما يخص شرقي حلب "محاولة لترك الروس وحدهم للتورط أكثر، ورفع الغطاء عنهم"، مشيراً إلى أن محللين روس يرون أن الولايات المتحدة جرّت بلادهم إلى حرب لا نهاية لها، موضحاً أنه لم يعد للروس خط رجعة فالانسحاب من سورية "فضيحة لبوتين" لدى الرأي العام الروسي.

المساهمون