عودة الممثّلات

الصورة

كارول عبّود ودارينا وندى فرحات ودياموند عبود وليزا دبس

أوردتُ، في مقالة سابقة، ملاحظاتٍ عن بعض المسلسلات اللبنانية والسورية، كما مشتركة الإنتاج، التي شاهدتُ، ووجدتها تعاني من قصور في بناء النصّ الدرامي الذي يتضمّن برأيي هفوات وذرائع غير عديدة مقنعة في تسلسل الحدث، وتركيب الشخصيات، وتدبيج الحوارات... إلخ.
ومع ذلك، حملت بعضُ تلك المسلسلات وسواها شذراتٍ لامعةً ولحظاتٍ مضيئةً أضفتها ممثّلات (وممثلون) لم نعتد كثيراً رؤيتهن على الشاشة الصغيرة، على الرغم ممّا يتمتّعن به من موهبةٍ وحضورٍ وحسن أداء، وممّا راكمنه، خلال سنواتٍ، من خبرة وتجربة عيش وثقافة مسرحية وسينمائية أضفت على أدائهنّ "سماكة" يفتقدها أداءُ بطلات الشاشة الصغيرة لدينا في أحيان كثيرة.
في كتابه "إعداد الممثّل"، يقول المخرج والممثل الروسي الشهير، كونستانتين ستانيسلافسكي، في معرض تأكيده لأهمية المعايشة الصادقة وتجسيد الشخصية بشكل صادق مع فهم دواخلها: "ليكن تقمّصكم الدور صادقاً، بحيث يأتي مدقَّقاً، متناسقاً ومنطقياً. يجب أن تفكروا وتصارعوا وتشعروا وتتحرّكوا وأنتم في حالة حوار دائم مع الشخصية التي تؤدّونها". على هذا المبدأ البسيط، يرتكز فنُّ التمثيل، وهو يبقى مبدأ ناجعاً وفاعلاً، على الرغم من تعدّد المدارس المسرحية المعترضة والموافقة وتواليها، فالممثّل هو الجسر القائم بين الشخص والشخصية، وهو المحرّك الذي سينفث حياةً في الكلمات، ويضمّنها مستوياتٍ من الفهم وأبعاداً. أمّا الأداء، فهو ذلك السير المتيقّظ على حبلٍ رفيع يصل الواقع بالوهم، والحقيقة بالمتخيَّل، فكيف للممثّل أن يضبط حركة انتقاله بين العالمين، إن لم يكن واعياً مدركاً خصوصية كل منهما؟ هذه مفارقةٌ قد تعاني منها الممثلة بشكل خاص، كأن تحيا هذا الصراع بين صورتها امرأةً وصورتها ممثلةً أو شخصيةً بالأحرى، وهو ما زادت من حدّته، أخيراً، مسلسلاتٌ نَحَتْ إلى منح البطولة لوجوهٍ جميلة، بغضّ النظر عن امتلاكها موهبةً أو لا. ممثّلات جميلات ومتجمّلات يسحرن المشاهدين ويأسرن قلوبهم، فيتعلّقون بهن، متغاضين عن مستوى الصدق والجودة في الأداء. في هذا الفخ وقع المنتجون، موقعين معهم المشاهدين والمخرجين والممثلات، فبتنا نرى على شاشاتنا وجوهاً بلاستيكية تفتقد النسغ والنكهة والتعبير، في ما يشبه حفلاً لدمىً مفرّغة لا تجيد إلا تلوين ملامحها بالرموش الاصطناعية والكحل وأحمر الشفاه.
على هذا خرجت ممثلاتٌ لم نكن نراهنّ في التلفزيون منذ سنوات، ومن بينهن كارول عبّود (مسلسل النحّات، أولاد آدم، مرايا الزمن) ودارينا الجندي (النحّات، بالقلب) وهما ابنتا الجيل نفسه، على ما أعتقد، تتبعهما ندى بو فرحات من الجيل الثاني، ودياموند عبود (النحّات) وليزا دبس (العودة) من الجيل الثالث. وجوهٌ بنسغ وماء وخطوط تروي طوابق من تعقيدات الحياة وتلويناتها. إنه نسغ التجربة والدراسة والثقافة والوعي والإدراك الحسّاس لمختلف أبعاد الشخصية. هكذا يصير الأداءُ من الدانتيل، والصوتُ دعامةً من مخمل، والتعبير خلجات صغرى لا تحتاج مبالغاتٍ في الإظهار. شيءٌ من ماضي التلفزيون حين كانت سيّداتٌ من وزن مادونا غازي ورضى خوري ونضال الأشقر ولطيفة ملتقى وعلياء نمري وليلى كرم وسواهنّ ممن كنّ يعلّمننا دقّة الأداء ببساطته وتعقيداته. أجل، بتنا نشتاق إلى رؤية هذا الجمال بالذات، جمالٍ يرقى بنا إلى مصاف العبقرة أحياناً، يحاورنا ويستفزّنا ويجعلنا بعد مشاهدته، تواقين لنكون أفضل مما نحن عليه.
هذا هو فنّ التمثيل، عزيزتي الممثّلة، فنّ آنّا مانياني وصوفيا لورين ورومي شنايدر وسيلفانا مانغانا وبيتي دايفيس وآن بانكروفت وسناء جميل وسواهنّ من العملاقات. عسانا نشهد مزيداً من ظهور سليلات هؤلاء على شاشاتنا، في ما يقبل نحونا من سنوات.
تعليق: