عودة الليرة السورية للتهاوي... والأسعار إلى الارتفاع

عودة الليرة السورية للتهاوي... والأسعار إلى الارتفاع

26 يناير 2020
الصورة
الأسعار ترتفع في الأسواق السورية (Getty)
+ الخط -

انتهى مفعول "الحلول الأمنية لمعالجة الأزمات الاقتصادية"، وفق توصيف الاقتصادي محمود حسين، في حديثه مع "العربي الجديد"، لتعود الليرة السورية إلى الانخفاض أمام الدولار، مسجلة 1100 ليرة اليوم الأحد في السوق الموازية غير الرسمية.

وعرفت الليرة بعض التعافي خلال الأسبوع الماضي، على إثر إصدار رئيس النظام السوري، بشار الأسد، مرسومين تشريعيين، شدد الأول على معاقبة كل من يتعامل بغير الليرة، كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري.

وقضى المرسوم الثاني بالسجن حتى ثلاث سنوات وتغريم حتى 5 ملايين ليرة كل من "يتكلم بالليرة والدولار" من كلام وكتابة ورسوم وصور وأفلام وشارات، أو حتى نشر من طريق شبكة الإنترنت أخبار تدنّي سعر الليرة أو عدم الاستقرار في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المحددة بالنشرات الرسمية.

ويقول الاقتصادي السوري إن من الطبيعي أن تعود الأسواق إلى ما كانت عليه قبل المرسومين، لأن أسباب تهاوي الليرة وارتفاع الأسعار، سياسية واقتصادية، وليست محصورة بالمضاربة ليكون حلها بقرارات قمعية وملاحقات أمنية.


وحول الحلول التي يمكن أن تُجدي، فتعيد إلى الليرة بعض التوازن والاستقرار، وإلى الاقتصاد تسريع دوران عجلته، يضيف الاقتصادي السوري: "إن قفزنا عن أن الحل في سورية، أولاً وأخيراً، هو سياسي ويبدأ بزوال نظام الحكم الذي دمّر البلد، فهناك بعض الحلول، كتحفيز الاستثمار وجذبه لتتحرك عجلة الإنتاج وتفرز معادلاً يوازي، ولو جزئياً، حجم الكتلة النقدية المطروحة في الأسواق، أو التفكير جدياً في استرجاع الرساميل المهاجرة والأموال المنهوبة، أو حتى البحث عن ديون، من دول أو منظمات دولية، تعيد إلى نظام الأسد امتلاك بعض الحلول والقدرة على التدخل في السوق".

لكن، يستدرك الاقتصادي السوري قائلا، جميع تلك الحلول غير موجودة، بل زادها بشار الأسد مع تعميق عدم الثقة بالاقتصاد والقوانين، ولن يأتي أي استثمار أو تعود الأموال السورية، ما دام المناخ كله عرضة لهوى النظام، فيحرّم حتى التعامل بالعملات الأجنبية أو حيازتها، متى يخطر له.

إجراءات وأماني

اقتصرت قرارات مصرف سورية المركزي على الشعارات والتهديد، بحسب وصف السوريين، ويقول حاكم المصرف حازم قرفول: "إن استقرار سعر الصرف أهم من السعر ذاته، وإن المركزي يحاول مسك العصا من المنتصف".

ويشير قرفول، خلال اجتماع لحكومة بشار الأسد أمس الأول مع ممثلين عن الصناعة والتجارة، إلى أن العقوبات الاقتصادية تؤثر في العمليات المصرفية وتحول دون التحويلات الخارجية، لذلك يجري التعامل مع شركات الصرافة، وأن قرارات المركزي تصبّ باتجاه عدم التهاون مع أي جهة مخالفة.

وتقول مصادر إعلامية إن رئيس مجلس الوزراء، عماد خميس، وعد خلال الاجتماع بأن هناك دراسة لوضع آلية جديدة أو بدائل لتمويل استيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج.


وأعلنت رئاسة مجلس الوزراء عبر صفحتها الرسمية أنها ستطرح تلك البدائل خلال أسبوع، وقررت إعادة هيكلة مجالس إدارات غرف الصناعة في ما يخص ممثلي الجهات الحكومية لدى الغرف، بما يسهّل إيصال مشاكل الصناعيين إلى المؤسسات الحكومية، وكان التشديد على أن الأولوية للمناطق الصناعية والحرفية في توزيع الطاقة الكهربائية بغرض الإنتاج.

من جهته، قال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية فارس الشهابي، إنه لم يبق سوى الإنتاج مورداً وحيداً لتأمين القطع الأجنبي.

وركز الشهابي خلال مداخلة له في الاجتماع الواسع الذي عقده رئيس الحكومة مع نحو 60 صناعياً من أنحاء سورية كافة، على أن الوضع الراهن يتطلب اقتصاد معامل وإنتاج، لا اقتصاد معابر، كما هو حاصل حالياً، وأنه لا بد وبالسرعة القصوى ضبط المعابر وتهريب الدولارات.

واقترح رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الإسراع بتنفيذ برنامج إحلال المستوردات، ودعم منظومة الشحن الخارجي، وإحداث صندوق إقراضي تحفيزي مخصص للصناعات الصغيرة والمتوسطة، وهيئة لإعادة المناطق الصناعية المتضررة، وإصدار تشريع ضريبي محابٍ للإنتاج والتصدير.

أسعار السوق

وعلى مستوى الأسعار فتشير مصادر خاصة لـ"العربي الجديد" من دمشق، إلى أن بعض الأسعار في الأسواق انخفضت بين 5 و10% عمّا كانت عليه قبل صدور مرسومي الأسد، مثل السكر الأرز والشاي والقهوة، مشيرة إلى أن نوعية تلك السلع تبدلت، وثمة أرزّ مخالف للمواصفات منتشر في الأسواق السورية "انخفض السعر، ولكن على حساب النوع".


وحسب المصادر ذاتها فإن أسعار السلع والمنتجات عاودت الارتفاع اليوم، فوصل سعر كيلو البندورة "طماطم" إلى 650 ليرة، والخيار إلى 550 ليرة، وسعر كيلو هبرة الخروف إلى 11500 ليرة، والفروج إلى 1600 ليرة، وهكذا لبقية السلع التي تستمر بالارتفاع بعد موجة التخويف والبيع بالليرة سورية بعد حملة "ليرتنا عزتنا".

وتؤكد المصادر أن الدور الحكومي يقتصر على الوعيد وتنظيم ضبوط مخالفة أو إصدار نشرات أسعار غير مطبقة "الأسعار بالسوق أعلى من نشرة وزارة التجارة بأكثر من 25%،
المؤشر الحقيقي".


يرى خبراء أن تذبذب أسعار السلع والمنتجات الغذائية، لا يعكس واقع الاقتصاد وسعر صرف الليرة، لأن التخويف وإلزام بعض التجار ببيع السلع بليرة سورية واحدة أو فرض ملتقيات ومهرجانات للبيع بأسعار الكلفة، حلول آنية ستتوقف قريباً نتيجة عدم قدرة التجار على تحمّل الخسائر التي تفرض عليهم تحت بند الشعارات الوطنية.

ويقول الخبراء إن أسعار الذهب والدولار في السوق السوداء، هي المؤشر الحقيقي على نجاعة إجراءات نظام الأسد من عدمها. فالدولار، رغم الملاحقات والتهديد بالسجن والغرامة، وصل سعره في السوق غير الرسمية إلى 1100 ليرة في أسواق دمشق وحلب، بل عليه زيادة طلب، كذلك عاد الذهب ليواصل ارتفاعه القياسي في السوق السورية، حيث ارتفع سعر الغرام بقيمة 1700 ليرة، بعد أن سجل قبل أيام سعر 38 ألفاً و800 ليرة للغرام لعيار 21 قيراطاً.

وبحسب مصادر من العاصمة السورية، سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً اليوم، ليبلغ سعر الغرام عيار 21 قيراطاً 40 ألفاً و500 ليرة سورية، بينما ارتفع سعر غرام الذهب عيار 18 قيراطاً إلى 34 ألفاً و715 ليرة.

وبالنسبة إلى سعر الأونصة الذهبية السورية، فقد سجلت ارتفاعاً بنسبة 13%، لتصبح بسعر مليون و454 ألفاً و775 ليرة سورية، وذلك وفقاً لسعر الأونصة عالمياً الذي بلغ 1572 دولاراً.

ويقول المحلل الاقتصادي علي الشامي لـ"العربي الجديد": جاءت قرارات ملاحقة الصاغة ورجال الأعمال وإغلاق 14 شركة صرافة، سبباً مهماً لخسارة سورية القطع الأجنبي، إذ بات التحويل الخارجي يجري عبر لبنان وتركيا، وينشّط السوق السوداء، وإن بالسر.

وحول السعر الرسمي للدولار، يضيف الشامي: ثبّت المصرف المركزي سعر الدولار على 434 ليرة، لكن المصرف المركزي فتح باب الشراء من السوريين بسعر 700 ليرة للدولار "ولو أنه جاد بأن 700 ليرة هو السعر الحقيقي للدولار، لكان باع للسوريين ولم يشترِ فقط".

ويتوقع المحلل السوري أن تتراجع كمية الإنتاج الصناعي والزراعي، وربما هجرة الرساميل والصناعيين "لأن الحلول القمعية تدمر الاقتصاد وميزته التنافسية وتعزز، في الوقت نفسه، من تمركز الثروة بيد قلة من السوريين، وبالتالي تزيد نسبة الفقر التي تزيد على 90% اليوم".

المساهمون