عودة اللاجئين السوريين غير آمنة: اعتقالات وتصفيات تلاحقهم

عودة اللاجئين السوريين غير آمنة: اعتقالات وتصفيات تلاحقهم

12 نوفمبر 2018
الصورة
يتعرّض اللاجئون للاضطهاد في سورية (عامر الحموي/فرانس برس)
+ الخط -
تزداد المخاوف على مصير لاجئين سوريين عادوا من لبنان إلى بلادهم، بعد توارد أنباء عن اعتقالات طاولت عدداً منهم من قبل أجهزة النظام الأمنية، غير الموافقة على عودة جميع الراغبين بالعودة من لبنان، في سياق محاولتها تكريس سياسة النظام التي أعلنها بشار الأسد الساعية إلى خلق ما سمًاه بـ"مجتمع متجانس" أي مؤيد بالمطلق لهذا النظام. ودفعت هذه المخاوف المعارضة السورية ومراكز حقوقية للتحذير من عودة اللاجئين السوريين من دون توفير بيئة آمنة ومحايدة، معتبرة عودتهم ضمن الظروف الراهنة، بمثابة "إرسالهم إلى حتفهم".

وفي أحدث رصد لما يتعرض له اللاجئون العائدون، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان في السابع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، نقلاً عن "عدد من المصادر الموثوقة"، بأن "مخابرات النظام السوري اعتقلت خلال الشهر الأخير، أكثر من 38 شخصاً من اللاجئين السوريين من الذين عادوا إلى الأراضي السورية، بهدف العودة إلى مدنهم وبلداتهم التي نزحوا منها". وأشار إلى أن "غالبية العائدين يتحدرون من قرى وبلدات ومدن القلمونين الشرقي والغربي وأماكن أخرى من ريف دمشق، ومناطق بريفي محافظتي حمص وحماة، إذ جرى اقتيادهم إلى أفرع أمنية، بتهم مختلفة تتعلق بالتظاهرات وتبعاتها".

وطالب المرصد السوري لحقوق الإنسان اللاجئين بـ"عدم العودة بسبب عدم قدرة الأطراف الدولية والأممية القائمة على الشؤون الإنسانية، على متابعة أوضاع اللاجئين والضغط على النظام السوري لمنع إيقاف الاعتقالات والانتهاكات التي يتعرضون لها خلال عودتهم وبعدها". وأضاف أن "على الأمم المتحدة والجهات الإنسانية المنوط بها متابعة أوضاع اللاجئين، البحث عن أوضاعهم والتقصي حولها، ومنع النظام من تنفيذ أي اعتقالات من شأنها تغييب المواطنين السوريين في أقبية أفرعها الأمنية بتهم مختلفة نتيجة معارضة اللاجئين السوريين في لبنان لنظام بشار الأسد وأجهزته المخابراتية، فأقبية الموت لفظت الكثير من الجثامين، ولا يزال عشرات الآلاف ضمن دائرة المصير المجهول".

من جهته، أكد أحد اللاجئين في منطقة البقاع في لبنان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ابن اخته الذي عاد إلى سورية منذ نحو شهر ضمن برنامج إعادة اللاجئين، لا يزال مختفياً حتى الآن. وأَضاف "علمنا من أقاربنا في مدينة رنكوس أنه تم اعتقاله منذ وصوله إلى سورية، وهو الآن معتقل لدى فرع فلسطين". وتابع: "نحن متأكدون من أنه معتقل ولكننا لا نعلم بالضبط مدى صحة المعلومات حول مكان اعتقاله، كما نخشى كثيراً على حياته".

بدوره، جدد معين المرعبي، وزير الدولة اللبناني لشؤون النازحين (بحسب الصفة التي تطلقها الدولة اللبنانية على اللاجئين)، التأكيد، أول من أمس السبت، أن ​النظام السوري​ يعتدي على اللاجئين السوريين العائدين، واضعاً الأمر في سياق أعمال ممنهجة لتخويف السوريين من العودة تنفيذاً لقرار إعادة التوزيع الديمغرافي.

وكان المرعبي قد قال قبل أيام في مقابلة مع وكالة "الأناضول"، إن لديه "معلومات عن مقتل بعض اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى بلادهم منذ يونيو/ حزيران الماضي"، موضحاً أن "آخر جريمة ارتُكبت كانت بحق عائلة في بلدة الباروحة بريف حمص، عبر دخول مسؤول أمني في قوات النظام منزل العائلة وقتله الأب وابنه وابن أخ الأب". وأشار المرعبي إلى أن "معظم أخبار التصفية والقتل تحصل بحق العائدين في المناطق التي يسيطر عليها النظام، خاصة في القرى والبلدات التي تقع على الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية".

وعن إجراءات اتخذتها السلطات اللبنانية بعد هذه المعلومات، قال المرعبي إن العودة طوعية وتكون عادة بطلب من اللاجئين السوريين لتسهيل عودتهم إلى بلادهم. وأوضح أنه "لا يمكننا أن نتدخل لا سلباً ولا إيجاباً. الذي له علاقة بموضوع العودة هي مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة من خلال متابعتها لهم في سورية".

وفي سياق متصل، ذكرت مصادر إعلامية معارضة أن "عناصر من حزب الله اعتقلوا 15 شاباً سورياً، يوم الأربعاء الماضي، في مناطق لبنانية عدة، وتم تسليمهم إلى قوات نظام الأسد عند الحدود اللبنانية السورية"، مؤكدة أن "معظمهم مطلوب لدى النظام، لأداء الخدمة الإلزامية في قواته".

 

وأدت الحرب المفتوحة التي شنها النظام على السوريين منذ عام 2011، وهو العام الذي بدأت فيه الثورة السورية، إلى تشريد ملايين السوريين، قدّرت جهات حقوقية عددهم بنحو نصف سكان البلاد ما بين نازحين داخلها ولاجئين خارجها، أي نحو 12 مليون شخص، انتقل جزء منهم إلى لبنان، الذي يشجع منذ أشهر سياسة "العودة الطوعية" للاجئين السوريين، والتي أدت، بحسب بيان صادر عن الأمن العام، إلى عودة 7670 شخصاً ضمن حملات العودة الطوعية، مقابل عودة حوالى 80 ألف شخص بشكل فردي منذ يوليو/ تموز الماضي.

ولا يقبل النظام السوري إلا بعودة أسماء معينة من اللاجئين السوريين في لبنان الذين يفوق عددهم المليون لاجئ موزعين في المحافظات اللبنانية. وبحسب الصحافي السوري أحمد القصير، الذي تحدث مع "العربي الجديد"، فإن "الراغب بالعودة إلى سورية يسجل اسمه لدى الأمن العام اللبناني، الذي يرفع هذه الأسماء إلى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري". وأوضح أن "هناك أسماء يوافق عليها النظام وأخرى يرفضها". كما أشار القصير إلى أن "معظم اللاجئين السوريين لا يرغبون بالعودة إلى بلادهم ضمن الظروف الراهنة". 


ودفعت الأنباء التي تتوالى عن المعاملة السيئة التي يتلقاها العائدون من أجهزة النظام الأمنية التي تصل إلى حد الاعتقال والتغييب والقتل، كثر إلى التريث بالعودة طالما ليست هناك ضمانات كافية لحفظ حياتهم، فيما حذّر رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عبد الرحمن مصطفى، اللاجئين السوريين من "العودة إلى مناطق سيطرة قوات النظام"، معتبراً ذلك بمثابة "إرسالهم إلى حتفهم"، وذلك بعد ورود تقارير تفيد بأن العديد منهم إما قُتل أو تعرض للاعتقال بعد عودته من لبنان. وأضاف أن "الائتلاف الوطني كان قد حذّر المجتمع الدولي من خطورة إعادة اللاجئين السوريين إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، قبل اتخاذ الخطوات التي نصت عليها القرارات الدولية لتوفير البيئة الآمنة والمحايدة". وذكر أن "التصريحات الأخيرة لوزير الدولة لشؤون النازحين اللبناني معين المرعبي، بشأن مقتل عدد من اللاجئين بعد عودتهم إلى سورية، تثبت صحة مخاوفنا وتجربتنا مع النظام والمليشيات الإيرانية الإرهابية". واعتبر أن "إعادة المزيد من اللاجئين تتحمل مسؤوليته الحكومة اللبنانية". وتابع: "نحن نعلم أن النظام لن يغير من أسلوبه الإجرامي"، معبّراً عن استغرابه من مواقف الدول التي "خُدعت وتريد إقناع الآخرين بتعويم نظام الأسد والتعامل معه من جديد". وطالب بـ"فتح تحقيقات دولية بشأن مقتل اللاجئين السوريين العائدين من لبنان".

من جهته، قال مصدر من "وزارة المصالحة" في حكومة النظام، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "بعض اللاجئين العائدين إلى سورية يتعرضون للتوقيف من أجل التحقيق واستكمال إجراءات المصالحة"، مشيراً إلى أن "فترة التوقيف تتفاوت بين عائد وآخر". وأضاف المصدر أن "هناك من يتم توقيفهم لحين استكمال الدراسة الأمنية الخاصة بهم والتي تبلغ مدتها نحو شهرين".

لكن الداخل إلى مقرات أجهزة النظام السوري الأمنية يعتبر مفقوداً، إذ جرت العادة أن يبقى المعتقل أشهراً حتى يعرف تهمته، كما يتعرض المعتقل إلى التعذيب مهما كانت هذه التهمة.

ولا يسمح النظام بعودة كل اللاجئين إلى بلادهم، في سياق سياسة ممنهجة أعلن عنها بشار الأسد تهدف إلى خلق مجتمع "متجانس"، أي مجتمع مؤيد بالمطلق للنظام ورئيسه. وفي السياق، قال مدير إدارة الاستخبارات الجوية، جميل الحسن، وهو الجهاز الأكثر فتكاً بالسوريين، أخيراً إن "سورية بـ10 ملايين صادق مطيع للقيادة أفضل من سورية بـ30 مليون مخرب".

كما أن النظام لا يملك القدرة اللوجستية لعودة عدد كبير من السوريين في الخارج بعدما أنهكت الحرب اقتصاده، ولم يعد قادراً على تأمين المقومات الدنيا للحياة للموجودين في مناطقه الآن، ومن ثم لا قدرة لديه على استقبال عشرات الآلاف أو الملايين من السوريين من الخارج.

وفي السياق، أشارت مصادر مطلعة في العاصمة السورية دمشق إلى أن "النظام غير مهتم بعودة أحد"، مضيفة: "لكنه يرغب بعودة آلاف بين فترة وأخرى من أجل الترويج لفكرة انتصاره بالحرب لا أكثر ولا أقل. كما أراد الجانب الروسي تعويم نظام بشار الأسد من خلال دفع دول الجوار السوري والاتحاد الأوروبي لإجبار اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم، ولكن النظام السوري كما تؤكد الوقائع، ماض في سياسات تصفها المعارضة بالإجرامية بحق من أجبرته الظروف على العودة. وهو ما يقلل من فرص عودة ملايين السوريين، الذين ينتظر معظمهم حلاً سياسياً برعاية أممية، لا يبدو أنه ممكن التحقيق في المدى المنظور".

المساهمون