عودة إلى مفهوم المجتمع المدني عند عزمي بشارة

07 اغسطس 2014
الصورة

من تظاهرات الثورة السورية في بانياس (إبريل/2011/أ.ف.ب)

+ الخط -

جاء كتاب عزمي بشارة "المجتمع المدني .. دراسة نقدية"، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، (ست طبعات، الأولى في 1996)، ليصوب النقاش داخل خطاب النخب الفكرية العربية التي دفعتها شمولية الدولة واستبدادها، من جهة، وفشل القومية والاشتراكية من جهة ثانية، إلى ترك العمل السياسي، والتوجه إلى العمل الاجتماعي، عبر بوابة المجتمع المدني الذي اعتبر مدخلاً مباشراً، لتحقيق الديمقراطية في المجتمع أولاً، ثم في الدولة ثانياً.
تعقب بشارة، في كتابه الأكاديمي هذا، مفهوم المجتمع المدني في تعريفه التاريخي، أي في انحيازاته الفكرية، واضعاً بين يدي المثقف العربي مادة عربية متينة، غايتها التمييز بين مفهوم المجتمع المدني في صيغته الما بعد حداثية، المتحققة الآن في الغرب، بعد تمفصلات تاريخية وفكرية عديدة طرأت عليه، وعملية استيراده وإسقاطه على الواقع العربي الذي لم يلج بعد بوابة الحداثة.
كان هذا العمل الفكري يهدف إلى عدم اختزال المجتمع المدني إلى مجرد منظمات اجتماعية طوعية، تعمل خارج السياسة، لأن عمل هذه المنظمات خارج محددات المواطنة والعقد الاجتماعي ووجود دولة قوية ودرجة تطور تسمح بإمكانية تخيل علاقة الفرد والدولة والمجتمع، سيؤدي إلى إعادة إحياء البنى العضوية، من خلال مقولات ما بعد حداثية.
بعبارة أخرى، تاريخ المجتمع المدني ليس تاريخ المنظمات الأهلية، والتشديد على هذه المؤسسات هو ميزة إحدى المراحل التاريخية، لأن المجتمع المدني كان يتطور مع تطور الديمقراطية ذاتها، وفي كل مفصل تاريخي كان يأخذ عنواناً مختلفاً.
إن وصول المفهوم إلى العالم العربي متطابقاً مع ما هو ليس سياسي قد ينقلب في الدول العربية إلى عامل ما قبل حداثي، بإبعاد المثقفين والفاعلين الاجتماعيين من السياسة عبر أنماط العمل المجتمعي. وبالتالي، والكلام لبشارة، إن زرع المؤسسات المجتمعية، بشكلها المعاصر في الغرب، بأثر رجعي، وكأنها قادت إلى الديمقراطية، لن يؤدي إلى نتائج في العالم العربي، بل سوف يحيد عن المعركة الحقيقية للمجتمع المدني، في البلدان التي لا يتوفر فيها نظام حكم ديمقراطي، أي معركة الديمقراطية، وهي معركة سلطة ودولة، وليست خارج السلطة والدولة.
في هذا المقام، تبرز الضرورة التاريخية المعاصرة لاستعادة مفهوم المجتمع المدني عند

عزمي بشارة، في مرحلة الثورات العربية والانتكاسات التي أصابت بعضها. وربما يكون هذا الكتاب بمثابة مانفيستو للحركات المدنية العربية، اليوم، أكثر مما مضى، وإذا كان كتاب بشارة، قبل نحو عشرين عاماً ضمن منظومة العمل النخبوي، قد جاء رداً على لا تاريخية طرح المجتمع المدني عربياً، فإنه، اليوم، يشكل مضموناً أيديولوجياً لواقع تاريخي قيد التحقق. وهنا، تبدو الحاجة ملحة ومضاعفةً، لإعادة قراءة المجتمع المدني، كما قرأه عزمي بشارة، بعد اختراق الجماهير العربية الحيز العام، وما بينته من استحالة فصل العمل المجتمعي عن العمل السياسي، وهو فصل اعتبره بشارة منذ سنوات مستحيلاً في العالم العربي، طالما لم تتحقق بعد الدولة الديمقراطية ـ الليبرالية، دولة المواطنة وحقوق الإنسان.
هل يمكن اختزال الحراك الجماهيري العربي، في مصر وتونس واليمن وسورية وغيرها من البلدان العربية، إلى مجرد عمل مجتمعي؟ هل يمكن وصف الحراك الثوري في سورية قبل العسكرة، ومحاولته تأسيس منظومة عمل وطني تتجاوز الطوائف، بالعمل الاجتماعي المحض؟ وهل يمكن وصف الحركات والمنظمات المدنية في سورية، أيضاً، بأنها مجرد مؤسسات طوعية، تنتج خارج السياسة، وتعادل في وظيفتها منظمة الهلال الأحمر؟
وإذا ما أعدنا صياغة هذه الاسئلة بلغة بشارة نفسها، فإن السؤال الرئيس هو: هل يمكن الحديث، اليوم، عن عودة جديدة للمجتمع المدني العربي؟ ولكن، هذه المرة عبر قوى اجتماعية جديدة، ليس هرباً من السياسي، ولكن، عبر حراك فعلي سياسي (ثورة)، يصر ويلح على التحول الديمقراطي؟
الإجابة: نعم، فقد بينت الثورات العربية غير المكتملة ما أكده بشارة أن المجتمع المدني، كمجتمع مواطنين، لا يتبلور في معزل عن مسألة الدولة، بل من خلال عملية تفاعل معها. وإذا كان ثمة اختلافات واسعة في جزئية عمل المنظمات غير الحكومية، فإن أهميتها تنبع، في هذا المعبر التاريخي، من تأسيسها وتقويتها الحيز العام، وإن تمايزت الاختصاصات.
يقول بشارة إن عمل المنظمات غير الحكومية يختلف عن العمل الخيري، باتجاه التأثير في سياسات الدولة في مجالات جزئية، أي التأثير في السياسة والتخطيط، في حين يختلف عمل هذه المنظمات عن العمل السياسي، في تعامله مع الجزئيات، من دون تقديم تصور عام بديل في الحياة السياسية، أي من دون أن يهدف إلى تغيير السياسة القائمة ونظام الحكم.
هنا، تصبح الحركات السياسية والأحزاب والنقابات جزءاً من المجتمع المدني، في حالة السعي نحو الديمقراطية، فالحديث من منطلق توفر الديمقراطية ـ الليبرالية والتعددية الحزبية (الغرب) يختلف عن منطلق غياب الأحزاب، أو منعها من مزاولة نشاطها بحرية (العالم العربي).
في بحثها المهم عن تعزيز المجتمع المدني في مصر، وصفت أستاذة العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة ريتشموند في الولايات المتحدة، شيلا كارابيكو، عمليا ما قاله

بشارة، في تمييزها نوعين من المجتمع المدني في مصر: الأول مرتبط بالجهات المانحة، مثل تزويد المنظمات غير الحكومية بالمكاتب الفاخرة ومواقع الويب والمطبوعات المكتبية ومجالس الإدارة والبيانات المهمة، وهذا النوع من المجتمع المدني تصفه كارابيكو بمجتمع المؤسسات، وهو المجتمع المفصول عن الناس، وبلغة بشارة المفصول عن السياسة.
أما المفهوم الثاني للمجتمع المدني الذي عاينته كارابيكو في مصر، فهو المجتمع المدني الذي يمثل الناس، ويشمل أوجه النشاط الأفقي الأكثر مرونةً في المجال المدني العام، بما فيها العصيان المدني، وتعبئة القاعدة الشعبية. ووفقا لذلك، يمكن الاعتماد على القواسم الوطنية الشعبية، لتأسيس مجال الخطاب المدني، أو ميدان عام مجازي.
هنا، تبدو أهمية المجتمع المدني، لاسيما في البلدان العربية التي فشلت في تحقيق ثورتها، وربما ارتدت إلى شكل من الثورة المضادة، ونموذجها الصارخ التجربة السورية، فقد نشأت، منذ بدء الأزمة، مئات المنظمات المدنية، معظمها موجود في الخارج، ويوجه نشاطه نحو الداخل، ومثل هذه المنظمات غير قادرة على تأسيس، أو المساهمة، في إنشاء حيز عام مدني / سياسي، طالما اقتصر عملها على الجانب الإغاثي أو التوثيقي، على الرغم من أهميته. ذلك أن حصر عمل هذه المنظمات بالعمل الخدمي المباشر يهدد المجتمع المدني في سورية، من خلال تغييب دوره عن مجالات المشاركة السياسية، وصنع السياسات العامة.
في ظل المشهد الميداني الحاد بين دولة شمولية من جهة، وكتائب مسلحة ما قبل مدنية من جهة ثانية، تظهر أهمية المجتمع المدني في سورية في بلورة حيز عام، لا كمقابل للدولة، وإن كانت شمولية، وإنما في علاقة جدلية معها، متداخلة متخارجة في الوقت نفسه. وهنا، تشكل الحركات والأحزاب السياسية على مختلف انتماءاتها جزءاً من صياغة هذا الحيز الذي بدأ يشق طريقه، لأول مرة، بمعزل عن الدولة.