عودة إلى ما قاله فورد

17 اغسطس 2017
الصورة

فورد متحدثا أمام مجلس النواب الأميركي (20/12/2013/Getty)

+ الخط -
لم أستطع ألا أعلق على تصريح السفير الأميركي السابق في دمشق، روبرت فورد، في مقابلة صحيفة الشرق الأوسط معه، والتي يصل بها إلى ما نشر اليأس بين السوريين، حين قال ببقاء بشار الأسد. هذه هي النتيجة التي أراد أن يوصلها، عن قصد، كما أراد أن يوصل رسائل مهمة حين ذهب، في عزّ توسع الثورة السورية إلى حماة برفقة السفير الفرنسي.
بقاء الأسد مستحيل في كل الأحوال، وهذا ما يطيل الصراع، حيث لم تستطع روسيا، بكل جبروتها، أن توصل مقاومي النظام الذين صنعوا ثورة عظيمة إلى هذه النتيجة. وسيبقي بقاء الأسد الصراع قائماً، ولن يفيد هنا كل جبروت قوة روسيا، واستخدامها أحدث الأسلحة. بالتالي، ربما أن فورد يكمل ما بدأه حين زار حماة، أي التشويش على الثورة، ودفع الشعب السوري إلى حالة اليأس.
ما استرعى الانتباه في تصريح فورد قوله إن زيارته حماة جرى تفسيرها خطأً، حيث فُسّرت دعماً للثورة، وبالتالي استخدمها النظام لتشويه الثورة، ودليلاً على أنها مدعومة أميركياً. ومن جهة أخرى، فهمها من "الثوار" المعارضة دعماً أميركياً لهم، وهذا ما أطلق الأوهام حول "الدعم الأميركي". ويحاول فورد في تصريحه أن يقول إنه تصرّف كأنه ساذج، ومن تلقاء ذاته، أي من دون طلب من الإدارة في واشنطن. وبالتالي، كان الأمر "مصادفة"، لكنه فُهم خطأ من الطرفين: النظام والمعارضة. ولا شك أن في هذا الحديث عن السذاجة سذاجة، حيث لا يقوم سفير أميركي بخطوة من هذا القبيل بشكل عشوائي، وبلا قرار من الإدارة في واشنطن، ومن ثم بلا هدف تريده هذه الإدارة.
بالتالي، يمكن القول إن تصريح فورد يوضّح اللعب الأميركي منذ بدء الثورة السورية. هكذا بالضبط. وهو اللعب الذي لا يزال قائماً، فما أشار إليه السفير السابق لم يكن نتاج خطأ في الفهم، ولا نتيجة سذاجة، بل كانت الإدارة الأميركية تهدف إلى أن يُفهم موقفها على الشكل الذي أورده. أي أن يستغلّ النظام الأمر من أجل تشويه الثورة، وإلصاقها بـ "المؤامرة الأميركية"، ويكون لديه مستمسك واضح هو "دعم أميركا الثورة"، حيث زار السفير الأميركي الشعب الثائر و"دعمه". وأميركا تريد ذلك، بالضبط لأنها تريد تشويه الثورة، وتقديم المبرّرات للنظام لكي يسحقها، حتى وإنْ كانت التهمة هي الدعم الأميركي لها. فقد أرعبها توسّع الثورة من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا وبلدان أخرى كان يمكن أن يتطور الحراك فيها، وكانت تحتاج من يسحقها، بعد أن فشلت مناورتها في تونس ومصر، حتى عملت على تحقيق تغيير سريع لكي تنطفئ.
بهذا كانت أميركا تقدِّم للنظام السوري ورقة مهمة، يمكن أن يستغلها ضد الثورة. تمثلت المسألة الأخرى في دفع المعارضة وراء أوهامٍ تجعلها تزيد في تخريب الثورة، حيث تعمل انطلاقاً من أنها تُدعم من أميركا، وتتصرّف على هذا الأساس، وتلقي التصريحات، وتزيد في المطالبات، بما يعزّز اتهام النظام لها بأنها "عميلة" لأميركا. وهذا فعلاً ما حدث، والمعارضة تعلي الصوت داعيةً أميركا إلى التدخل العسكري، ومراهنة على دورها بدل المراهنة على الشعب، وفهم أن الارتباط بأميركا يعني حصولها على رفض شعبي، وتخويف فئاتٍ شعبيةٍ هي مع الثورة.
للأسف، نجحت أميركا في "خطتها"، واستطاعت أن تقدِّم للنظام ورقة مهمة ضد ثورة الشعب السوري، سواء بإظهار أنها مع الثورة، أو في إظهار تبعية المعارضة لها، فقد كانت تريد أن تسحق الثورة، لا أن تنتصر هذه الثورة، وكانت عبر، ما فعل سفيرها، تحرّض من أجل أن تتأكد مصداقية النظام في اعتبار الثورة "مؤامرة". .. ونجحت نتيجة غباء المعارضة التي صدَّقت أن أميركا يمكن أن تكون مع الثورة.